صمتت المدافع وانقطع أزيز الرصاص وتوقف دبيب الدبابات المجنزرة وانقشع غبار الحرب عن أهوال ومصائب ألمت بأهل غزة المرابطين على أرضهم؛ هذا في جانب، ومن جانب آخر فشلت إسرائيل فشلا ذريعا وها هو نتنياهو قد بدأ يتعرض لسهام النقد اللاذعة لإذعانه ورضوخه التام للمقاومة الباسلة التي لم يسبق أن واجه مثلها أو حتى أن يتوقعها.توقفت الحرب على قطاع غزة موقتا؛ كالعادة في هذه البؤرة الأكثر توترا على سطح الأرض منذ عقود مضت، وبدأ أهل غزة يلملمون أشلاء شهدائهم ويبحثون عن بقايا أغراضهم وممتلكاتهم بين المباني المدمرة تدميرا كاملا، ومضوا يتفقدون أهليهم وجيرانهم في المستشفيات ومراكز الإيواء غير الآمنة علّهم يجدون من تقر عيونهم برؤيته.وكما في كل حرب لابد من جرد حساب للأرباح والخسائر لكل طرف من طرفي النزاع ورسم خطة مستقبلية للتعامل مع الطرف الآخر من أجل تسوية ولو موقتة لتمضي عجلة الحياة في دورانها ويمضي كلٌ في حال سبيله يعيد بناء ما خلفته الحرب من آثار سلبية على الإنسان والحجر.وقد يتبادر للذهن أولا من هو المنتصر في هذه المعركة ومن هو الخاسر وإذا أردنا أن نُعرّف المنتصر فهو أن يخرج أحد الطرفين بنتائج لم تكن متوافرة له قبل الحرب وأن يفرض على الطرف الآخر شروطه وإملاءاته من أجل ديمومة الهدنة بينهما. والحق يقال وبالاستعانة بكل الشواهد على الأرض أستطيع أن أقول ان حركة المقاومة الإسلامية وكافة فصائل المقاومة الأخرى وشعب غزة الأبطال قد حققوا النصر المبين بمشيئة الله. ولا يفوتني أن أؤكد أن الخسائر البشرية ليست دليلا على النصر أو مؤشرا له، فالقارئ الجيد للتاريخ يستطيع أن يسترجع حرب التحرير الجزائرية المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي وكم قدم فيها الجزائريون من تضحيات مقابل الخسائر المحدودة في الجيش الفرنسي، وما نتج عن ذلك من خروج مُخزٍ وهزيمة منكرة مجلجلة للفرنسيين من أرضٍ اعتبروها جزءا من أرضهم لعقود. ولا بد لنا أن نتذكر أيضا الهزيمة المنكرة لأميركا في فيتنام بالرغم مما أوقعوه في الفيتناميين من ضحايا وجربوا عليهم كل أصناف الأسلحة غير التقليدية. إسرائيل على الجانب الآخر خسرت المعركة لأنها أرادت أن تقتلع المقاومة من أرض غزة فلم تستطع، وأرادت أن تنزع سلاح المقاومة ففشلت، وأرادت أن تُعلّم الفلسطينيين درسا في الخنوع فأعطوها درسا في العزة والكرامة. أرادت إسرائيل كل ذلك وأكثر ولم تتمكن من تحصيل أيٍ من أهدافها سوى تدمير المباني والمستشفيات والمساجد والمدارس.وعلى الجانب الديبلوماسي بدأت إسرائيل أولى الخطوات نحو الفشل والهزيمة الديبلوماسية بعد أن ضربت وللمرة الثانية مدرسة تابعة للأنروا والتي كانت مقرا لإيواء النازحين من العائلات، فقتلت ما يزيد على عشرة أطفال فتلقوا للمرة الأولى نقدا شديدا ولاذعا من أمين عام الأمم المتحدة والإدارة الأميركية وما سيتبع ذلك لاحقا من مطاردة لمرتكبي هذه المجازر ومحاكمتهم كمجرمي حرب.كما قامت مجموعة من دول أميركا اللاتينية بقطع العلاقات مع إسرائيل وطرد السفير منها، وبدأت كلٌ من بريطانيا وأسبانيا إعادة النظر في سياسة تزويد إسرائيل بالسلاح وغير ذلك الكثير من المؤشرات على الفشل الإسرائيلي الديبلوماسي والسياسي.على الجانب الآخر فالتضحيات الجسيمة في الأرواح والتي بلغت ما يزيد على 1878 شهيدا وما يقارب 10000 من الجرحى، والتدمير الكلي لمعظم مناحي الحياة المدنية في غزة والبنية التحتية سيكون عبئا تنوء بحمله الجبال وبخاصة مع استمرار غلق المعابر وحصارهم في أكثر البقع السكانية كثافة على سطح الأرض، ولا شك أن ذلك سيزيد من معاناة الغزيين والقائمين على أحوالهم في إعادة الإعمار. ومن جانب آخر سوف لن يحصل الفلسطينيون على المساعدات المتوقعة من الدول العربية كما حدث عقب حرب 2008 /2009 فالوضع العربي بعد ربيعه أمسى خريفا، وانشغل كلٌ بهمومه وتأمين جبهته الداخلية، ووقف العديد من الدول علانية أو سرا مع إسرائيل والكثير منهم حمّل الضحية المسؤولية وتبعا لذلك قد يقومون بتقديم المساعدات المحدودة التي لا تسمن ولا تغني من جوع وذلك فقط لذرّ الرماد في العيون.ولذلك وجب على السلطة الفلسطينية وحركات المقاومة الفلسطينية إعادة حساباتهم بالدعم العربي المستقبلي والذي سيكون معدوما تماما وعدم الركون إليه واللجوء للمجتمع الدولي في منظماته ومقارعة الحجة بالحجة في كل محفل دولي، وتقديم طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية دونما تأخير من أجل محاكمة نتنياهو وأركان حربه على ما ارتكبوه في أهل غزة من جرائم ومجازر. فالكثيرون من العالم الغربي لا يحبون إسرائيل ويتمنون الفرصة السانحة لمحاكمتهم على أفعالهم الشنيعة ولكن بتخاذل السلطة الفلسطينية سوف لن يكون ذلك ممكنا.ولكن السؤال الأهم هل ستعود إسرائيل لفعلتها مرة أخرى كما يحصل عادة وهل سيستطيع الغزيون المقاومة والصمود البطولي كما حدث هذا العام؟ أسئلة نعرف الإجابة عنها مسبقا ذلك أن إسرائيل لن تغير من سلوكها العدواني إلا بعد أن تنزع سلاح المقاومة وتحول الشعب الفلسطيني إلى قطيع من الأغنام المسالمة تهش عليها وتنش متى أرادت. ولذلك كان لابد أن تتوحد كلمة ومواقف الساسة الفلسطينيين وعدم إعطاء الفرصة لإسرائيل أو الدول التي تسعى لتحقيق طموحاتها من خلال تحطيم المقاومة الفلسطينية، وقد برزت أخيرا هذه السياسة فيما يُعرف بسياسة المحاور التي اختلط فيها الحابل بالنابل وسمعنا فيها الكثير من الديباجات المنمقة والتصريحات الديبلوماسية المتناقضة، وتصارعت الدول العربية في ما بينها ودفع الفلسطينيون ومن قبلهم العراقيون والليبيون وآخرهم السوريون الأثمان الباهظة لمهاترات الآخرين السياسية واللا أخلاقية.z_alweher@hotmail.com
متفرقات
مشهد / وماذا بعد أن وضعت الحرب أوزارها؟
د. زياد الوهر
03:07 م