انقضى شهر رمضان، ودعنا وارتحل، وها هي لوعة الفراق في قلوب المؤمنين الصادقين، فقد ودعوا اعز حبيب، لكن سلوانهم في رجاء تجدد اللقاء، وقبول الله عز وجل لما قدموه من صالح القول والعمل في شهر رمضان المبارك، الذي فارقنا وارتحل منذ ايام قلائل، بعد أن غمر الدنيا باجوائه الروحانية، ونسماته الايمانية، وعم خيره وبركته على الجميع... رحل عنا بعد ان عشنا مع ايامه ولياليه أجمل وأصفى وأنقى الأوقات. ولم لا... وقد قضيناها بين صيام وصلاة وقراءة للقرآن، وفضل للخيرات، واجتناب الآثام والموبقات، والحرص على الصالحات.... عشنا معه أسمى معاني البر وصلة الارحام، عشنا معه التكافل الاجتماعي في ارقى صوره وضربنا فيه المثل لحسن الخلق والبعد عن الفاحش من القول... كان شهر رمضان موسما عظيما من مواسم الخير والطاعة لكنه، وهذه سنة الله تعالى- ودعنا وارتحل... فماذا بعد؟لقد كان شهر رمضان المبارك ميدانا يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون، ويحسن فيه المحسنون، تروضت فيه النفوس على الفضيلة، وتربت فيه على الكرامة، وترفعت فيه عن الرذيلة، وتعالت عن الخطيئة، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد، ومسكين ذاك الذي ادرك هذا الشهر الفضيل ولم يظفر من مغانمه بشيء، ما حجبه الا الاهمال والكسل، والتسويف وطول الامل. وان الادهى من ذلك الامر ان يوفق بعض العباد لعمل الطاعات، والتزود من الخيرات حتى اذا انتهى الشهر نقضوا ما ابرموا، وعلى اعقابهم نكصوا واستبدلوا الذي هو ادنى بالذي هو خير، وذلك والله خطأ فادح بكل المقاييس، وجناية مخزية بكل المعايير لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار.قيل لبشر - رحمه الله تعالى - ان قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله حقا الا في شهر رمضان، ان الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. وسئل الشبلي - رحمه الله تعالى - ايما افضل رجب او شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة وسئلت عائشة رضي الله عنها هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص يوما من الايام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، وقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على احدى عشرة ركعة، اننا ندعوا هؤلاء بكل شفقة واخلاص، ندعوهم والألم يعتصر قلوبنا خوفا عليهم ورأفة بهم، ندعوهم الى اعادة النظر في واقعهم، ومجريات حياتهم، ندعوهم الى مراجعة انفسهم وتأمل اوضاعهم قبل فوات الأوان.يجب ألا تخدعهم المظاهر، ولا يضرهم ما هم فيه، من الصحة والعافية، والشباب والقوة، فما هي الا سراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء او كبرق سرعان ما يتلاشى ويزول، فالصحة سيعقبها السقم، والشباب يلاحقه الهرم، والقوة آيلة الى الضعف، فاستيقظ ياهذا من غفلتك وتنبه من نومتك فالحياة قصيرة وان طالت، والفرحة ذاهبة وان دامت.ليعلم اولئك ان استدامة العبد على النهج المستقيم، والمداومة على الطاعة من اعظم البراهين على القبول، قال تعالى: «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» (الحجر: 99) فيجب ان تستمر النفوس على نهج الهدى والرشاد كما كانت في رمضان، قال الحسن البصري - رحمه الله-: ان الله لم يجعل لعمل المؤمن اجلا دون الموت، ثم قرأ «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» فاذا انقضى رمضان فبين ايديكم مواسم تتكرر فالصلوات الخمس من اجل الاعمال، واول ما يحاسب عليه العبد، يقف فيها بين يدي ربه مخبتا متضرعا.ولئن انتهى صيام رمضان فهناك صيام النوافل كالستة من شوال، والاثنين والخميس، والايام البيض وعاشوراء ويوم عرفة وغيرها.ولئن انتهى قيام رمضان فقيام الليل مشروع في كل ليلة «كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» (الذاريات: 17).ولئن انتهت صدقة او زكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضة وهناك ابواب للصدقة والتطوع والجهاد كثيرة.ولتعلم يا اخي المسلم ان من صفات عباد الله المداومة على الاعمال الصالحة «الذين هم على صلاتهم دائمون» (المعارج : 23).واذا كانت قد تاقت نفسك لتعرف سبيل النجاة في كيفية المداومة على العمل الصالح؟ فلابد من عمل الآتي:اولا: من العزيمة الصادقة على لزوم العمل والمداومة عليه ايا كـــانت الظـــروف والاحوال وهذا يتطلب منك ترك العجز والكسل ولذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتعـــوذ من العجز والكسل لعظـــيم الضرر المتـــرتب عليـــهما فاستعن بالله تعالى ولا تعجز.ثانيا: القصد في الاعمال، ولا تحمل نفسك مالا تطيق ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا من الاعمال ما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا». رواه البخاري ومسلم.ولتعلم يا أخي ان البركة في المداومة، فمن حافظ على قراءة جزء من القرآن كل يوم ختمه في شهر، ومن صام ثلاثة ايام في كل شهر فكأنه صام الدهر كله، ومن حافظ على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله له بيتا في الجنة، وهكذا بقية الاعمال.ثالثا: عليك ان تتذكر انه لا يحسن بمن داوم على عمل صالح ان يتركه... فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل»، رواه البخاري ومسلم.رابعا: استحضر ما كان عليه اسلافنا الاوائل، فهذا حبيبك النبي صلى الله عليه وسلم تخبرنا ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها انه كان اذا انام من الليل او مرض صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة رواه مسلم، وترك صلى الله عليه وسلم اعتكافا ذات مرة فقضاه صلى الله عليه وسلم في شوال، وروى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام فاني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة»، قال: (ما عملت عملا ارجى عندي اني لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل او نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لي ان اصلي)، واعجب من ذلك ما فعله علي بن ابي طالب رضي الله عنه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له حينما دخل عليه ذات يوم فوجده نائما مع فاطمة، يقول علي: فوضع رجله بيني وبين فاطمة - رضي الله عنها - فعلمنا ما نقول اذا اخذنا مضاجعنا، فقال: «يافاطمة اذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا الله ثلاثا وثلاثين وكبرا اربعا وثلاثين»، قال علي: «والله ما تركتها بعد» فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين؟ قال علي: «ولا ليلة صفين»، اخرجه الحاكم وصححه.انك اذا تصورت مثل هذا الخبر فانه سيتمالكك العجب من الحرص على المداومة على العمل حتى في حال القتال وتطاير الرؤوس، وسفك الدماء... كل ذلك لا ينسيه عن وصية نبيه صلى الله عليه وسلم... ان معرفة مثل هذه الاخبار تدفعك الى المداومة على العمل الصالح ومحاولة الاقتداء بنهج السلف الصالح والسير على منوالهم.

وقفات بعد رحيل الشهر الفضيل

• الوقفة الأولى: حال السلف وحالناها هي أيام رمضان قد انقضت، ولياليه قد ولت، انقضى رمضان وذهب ليعود في عام مقبل، انقضى رمضان شهر الصيام والقيام، شهر المغفرة والرحمة، انقضى رمضان وكأنه ما كان.آية رمضان ماذا أودع فيك صالحات، وماذا كتبت فيك من رحمات، كم من صحائف بيضت، وكم من قلوب عتقت، وكم حسنات كتبت.انقضى رمضان وفي قلوب الصالحين لوعة، وفي نفوس الابرار حرقة وكيف لا يكون ذلك، وها أبواب الجنان تغلق، وأبواب النار تفتح، ومردة الجنة تطلق بعد رمضان.انقضى رمضان: فياليت شعري من المقبول فنهنيه ومن المطرود فنعزيه.انقضى رمضان فماذا بعد رمضان؟لقد كان سلف هذه الأمة يعيشون بين الخوف والرجاء.كانوا يجتهدون في العمل فاذا ما انقضى وقع الهم على أحدهم: أقبل الله من ذلك أم رده عليه.هذه حال سلف هذه الأمة فما حالنا؟والله ان حالنا لعجيب غريب... فوالله لا صلاتنا كصلاتهم ولا صومنا كصومهم، ولا صدقتنا كصدقتهم، ولا ذكرنا كذكرهم.لقد كانوا يجتهدون في العمل غاية الاجتهاد، ويتقنونه ويحسنونه، ثم اذا انقضى خاف ان يرد الله عليه عمله.وأحدنا يعمل العمل القليل ولا يتقنه ولا يحسنه، ثم ينصرف وحاله كأنه قد ضمن القبول والجنة.فيا أخي عليك ان تعيش بين الخوف والرجاء، اذا تذكرت تقصيرك في صيامك وقيامك، خفت ان يرد الله عليك ذلك، واذا نظرت الى سعة رحمة الله، وان الله يقبل القليل ويعطي عليه الكثير، رجوت ان يتقبلك الله في المقبولين.• الوقفة الثانية:علامات القبولان لكل شيء علامة، وقد ذكر العلماء ان من علامات قبول الحسنة ان يتبعها العبد بحسنة أخرى.فما حالك بعد رمضان؟ هل تخرجت في مدرسة التقوى في رمضان فأصبحت من المتقين؟هل تخرجت في رمضان وعندك عزم الاستمرار على التوبة والاستقامة؟هل انت أحسن حالاً بعـــد رمضان منك قبل رمضان؟ ان كنت كذلك فاحمد الله، وان كنت غير ذلك فابك على نفسك يامسكين فربما أعمالك لم تقبل منك، وربما انك من المحرومين وانت لا تشعر.• الورقة الثالثة:أقسام الناس بعد رمضان1 - الصنف الأول: قوم كانوا على خير وطاعة، فلما جاء رمضان شمروا عن سواعدهم، وضاعفوا من جهدهم وجعلوا رمضان غنيمة ربانية، ومنحة الهية، استكثروا من الخيرات، وتعرضوا للرحمات، وتداركوا مافات، فلعله ان تكون قد أصابتهم نفحة من النفحات.فما انقضى رمضان الا وقد حصلوا زاداً عظيماً، علت رتبهم عند الله، وزادت درجتهم في الجنات، وابتعدوا عن النيران.علموا ان لا مستراح الا تحت شجرة طوبى، فاتبعوا هذه النفوس في الطاعات.علموا ان الصالحات ليست حكراً على رمضان، فلا تراهم الا صوماً قوماً، حافظوا على صيام الست من شوال، حافظوا على صيام الاثنين والخميس والايام البيض.دمعتهم على خدودهم في جوف الليل، وعند الأسحار استغفار اشد من استغفار أهل الأوزار، يعيشون بين الخوف والرجاء، حالهم كما قال الله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون».في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقلت يارسول الله: أهم الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر ويخافون من الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم أقوام يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ان يرد الله عليهم ذلك» فهؤلاء المقبولون هؤلاء هم السابقون هؤلاء الذين عتقت رقابهم، وبيضت صحائفهم، فطوبى ثم طوبى لهم.2 - الصنف الثاني: قوم كانوا قبل رمضان في غفلة وسهو ولعب، فلما أقبل رمضان أقبلوا على الطاعة والعبادة صاموا وقاموا، قرأوا القرآن وتصدقوا ودمعت عيونهم وخشعت قلوبهم، ولكن ما ان ولّى رمضان حتى عادوا الى ما كانوا عليه، عادوا الى غفلتهم، عادوا الى ذنوبهم، فهؤلاء نقول لهم : من كان يعبد رمضان فان رمضان قد انقضى وفات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت.ان الذي أمرك بالعبادة في رمضان هو الذي أمرك بها في غير رمضان... فيا من عدت الى ذنوبك ومعاصيك وغفلتك تمهل قليلاً، وتفكّر قليلاً: كيف تعود الى السيئات، وربما قد طهرك الله منها... كيف تعود الى المعاصي وربما محاها الله من صحيفتك.... أيعتقك الله من النار فتعود اليها؟ {أيبيض الله صحيفتك من الأوزار وانت تسودها مرة أخرى؟».فيا عبدالله... آه لو تدري اي مصيبة وقعت فيها... آه لو تدري اي بلاء نترك بك، لقد استبدلت بالقرب بعداً، وبالحب بغضاً.يا عبدالله... اياك ان تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً... لا تهدم ما بنيت، لا تسود ما بيضت، لا ترجع الى الغفلة والمعصية فوالله انك لا تضر الا نفسك... انك لا تدري متى تموت، لا تدري متى تغادر الدنيا... فاحذر ان تأتيك منية وانت قد عدت الى الذنوب والمعاصي وتذكر «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم» فغير من حالك، اترك الذنوب، اقبل على ربك حتى يقبل الله عليك.3 - الصنف الثالث: قوم دخل رمضان وخرج رمضان، وحالهم كحالهم، لم يتغير منهم شيء، ولم يتبدل من أمرهم، بل ربما زادت آثامهم، وعظمت ذنوبهم، واسودت صحائفهم، وزادت رقابهم الى النار غلا. هؤلاء هم الخاسرون حقاً، عاشوا عيشة البهائم، لم يعرفوا لماذا خلقوا عوضاً ان يعرفوا قدر رمضان وحرمة رمضان، وهؤلاء منهم من يتبجح ويجاهر بالفطر في نهار رمضان. فهؤلاء ليس أمامنا حيلة معهم الا ان ندعوهم الى التوبة النصوح، التوبة الصادقة، ومن تاب تاب الله عليه.وهذه كلمات من كلمات سلف هذه الأمة: قال أبوالدرداء: لو ان أحدكم أراد سفراً، أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه؟ قالوا: بلى. قال: سفر يوم القيامة أبعد، فخذوا ما يصلحكم... حجوا لعظائم الأمور، صوموا يوماً شديد حره لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بالسر ليوم قد عسر.وقال الحسن البصري: ان الله جعل رمضان مضماراً لخلقه، يتسابقون فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخافوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يربح فيه المحسنون ويخسر المبطلون.

همسات للشباب بعد رمضان

هذه عشر همسات للشباب بعد رمضان :الهمسة الأولى: احمد الله أن مَنَّ عليك ووفقك لصيام هذا الشهر المبارك وقيامه؛ فكثير ممن نعرفهم قد وافاهم الأجل قبل إكمال هذا الشهر العظيم.الهمسة الثانية: نعزي أنفسنا برحيل هذا الشهر الكريم، الذي طالما تلذذ بعبادته المتلذذون، واستنار بطاعاته الصائمون والمتهجدون.. آهٍ على رحيلك يا رمضان.. كم حصلت فيك من طاعات! وكم بُذِل في أيامك من حسنات! كم من نفوسٍ تابت! وإلى الخير أقبلت وتنادت! وعن الشر أحجمت وأنابت! كم من أشخاصٍ لربهم خضعوا! وعن الشر أقبلوا ورجعوا! فلله درُّك يا رمضان!!الهمسة الثالثة: إن كنت ممن أحسن استقبال هذا الشهر الكريم، فأهنيك بالقرب من الرحمن، والفوز بأعالي الجنان، والحصول على الثواب من الملك الديان.. أهنيك بجنة غالية، ومنزلة عالية، وتجارة رابحة.. أهنيك بمغفرة الذنوب، والثناء عند علام الغيوب.. فأبشر بالخير أيها الصائم القانت؛ فإن الأعمال قد كُتِبت.. والجوائز قد وُزِّعت.. أبشر؛ فإن ربك كريمٌ منان، يجازي بالعمل القليل، ويعفو عن الزلل الكثير.الهمسة الرابعة: لا تكن ممن تتوقف عبادته عند انتهاء رمضان، وتنقطع علاقته بربه بعد رحيل هذا الشهر المبارك، بل ليكن رمضان بداية الانطلاق إلى محطات الطاعات، وجني الحسنات، فإن كنت ممن ختم القرآن عدة مرات في رمضان، فما المانع أن تختمه ولو مرة واحدة كل شهر بعد رحيل رمضان.فعليك بالمواظبة على الطاعة في رمضان وغيره من سائر الشهور والأيام، وكما قيل: كن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا.الهمسة الخامسة: أخبَرَ السلف أن من علامات قبول الطاعة: فعل الطاعة بعدها. فانظر لنفسك كيف هي بعد رمضان؟ فإن كانت للخير مقبلة، وعن الشر محجمة ومدبرة، فاهنأ بقبول العمل إن شاء الله، وداومْ على ذلك، واستمر على تلك الطاعات ولو بفعل القليل منها؛ فقليل دائم خير من كثير منقطع.. أسأل الله لك الثبات.الهمسة السادسة: كان سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- إذا خرج رمضان يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم صيام رمضان وقيامه.. فهلاَّ اقتديت بهم؛ فدعاء الله والتضرع إليه من أعظم أنواع القَبول.. فتضرَّع إلى الله.. وانكسِر بين يديه.. وأكثر من سؤاله؛ فإن الدعاء باب عظيم غفَل عنه الكثيرون.الهمسة السابعة: إن من أعظم قبول الأعمال، وأوكد الحصول على ثواب الطاعات.. هو ابتغاء وجه الله تعالى، والذي هو (الإخلاص)؛ فالإخلاص سبب كل خير، وأساس نجاح كلِّ عمل، فجاهدْ نفسك على ذلك، تفزْ بسعادة الدنيا والآخرة.الهمسة الثامنة: احرص على كثرة النوافل بعد رمضان، وهي أحب شيء إلى الله بعد الفرائض، ومن الأسباب الجالبة لرضوان الله .. ومن ذلك: صيام الاثنين والخميس، وركعتا الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وغيرها من القُرُبات، فداومْ عليها.الهمسة التاسعة: ليكن لك سهمٌ في الدعوة إلى الله I، وتعليم الناس الخير ولو بالدلالة عليه.. واحرص على أن تكون من ينال شرف مهنة الأنبياء والمرسلين، وعليك بالرفق والحلم؛ فإنهما زادك بعد الله في طريق السير إلى الإصلاح.الهمسة الأخيرة: احرص على صحبة من إذا أتيتهم أعانوك، وإلى الخير قرّبوك، وعن الشر أبعدوك.. احرص على صحبة الأخيار؛ فإنهم عونٌ لك بعد الله، وتذكر قول الباري جل وعلا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُم} [الكهف: 28].

رب الشهور واحد... !

قال تعالى: وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَاِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَاِن تَكْفُرُواْ فَإنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً» سورة النساء: آية 131.بالأمس القريب كنتم في شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، تصومون نهاره، وتقومون ليله، وتتقربون الى ربكم بأنواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعتم بها مرحلةً من حياتكم لن تعود اليكم أبداً، وانما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خيرٍ أو شر قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) سورة الزلزلة: آية 7-8.وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم الى الدار الآخرة، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، ويحفظ عليكم ما عملتموه فيها، لتجازوا عليه في الدار الآخرةقال تعالى: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* اِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» سورة الشعراء آية {88} {89} و قال: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ } سورة آل عمران آية 30.......انه وان انقضى شهر رمضان المبارك، فان عمل المسلم بطاعة ربه واستقامته على شريعة الاسلام ليس له نهايةٌ الا عند الموت، فتمسكوا بطاعة الله عز وجل في رمضان أوغير رمضان وعليكم بالصلاة مع الجماعة في المسجد وعلى النساء المحافظة عليها في وقتها وفي بيتها قال تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» ( سورة الحجر: آية 99 ).قال الحسن البصري رحمه الله: لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » (سورة الحجر: اية 99)وقال عزَّ وجلَّ: «يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » (آل عمران: 102).فاحذروا -عباد الله- من الرجوع الى المعاصي بعد رمضان، فان رب الشهور واحد، وبئس القوم من لا يعرفون الله الا في رمضان، بئس القوم من لا يعرفون الله الا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً.فاتقوا الله - أيها المسلمون - ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فان من علامة قبول الحسنة اتباعها بالحسنة، وان الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها أعظم جرماً وأشد اثماً مما كان قبل ذلك، وان أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }*{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ } سورة الأعراف: آية 8 - 9ان الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وبونا كبيراً بين حالهم في رمضان وحالهم بعده، وذلك ان المسلمين اليوم منقسمون بعد رمضان الى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـالسلف الصالح الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر ان يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى ان يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة.

أحوال الناس بعد رمضان

قال تعالى: «وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَاِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَاِن تَكْفُرُواْ فَإنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً» سورة النساء: آية 131.بالأمس القريب كنتم في شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، تصومون نهاره، وتقومون ليله، وتتقربون الى ربكم بانواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعتم بها مرحلةً من حياتكم لن تعود اليكم أبداً، وانما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خيرٍ أو شر قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)سورة الزلزلة: آية 7-8.وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم الى الدار الآخرة، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، ويحفظ عليكم ما عملتموه فيها، لتجازوا عليه في الدار الآخرةقال تعالى: «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* اِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» سورة الشعراء آية {88}{89}و قال: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ } سورة آل عمران آية 30.......انه وان انقضى شهر رمضان المبارك، فان عمل المسلم بطاعة ربه واستقامته على شريعة الاسلام ليس له نهايةٌ الا عند الموت، فتمسكوا بطاعة الله عز وجل في رمضان أوغير رمضان وعليكم بالصلاة مع الجماعة في المسجد وعلى النساء المحافظة عليها في وقتها وفي بيتها قال تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» ( سورة الحجر: آية 99 ).قال الحسن البصري رحمه الله: لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » ( سورة الحجر: آية 99)وقال عزَّ وجلَّ: «يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » (آل عمران: 102).فاحذروا -عباد الله- من الرجوع الى المعاصي بعد رمضان، فان رب الشهور واحد، وبئس القوم من لا يعرفون الله الا في رمضان، بئس القوم من لا يعرفون الله الا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً.فاتقوا الله - أيها المسلمون - ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فان من علامة قبول الحسنة اتباعها بالحسنة، وان الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها أعظم جرماً وأشد اثماً مما كان قبل ذلك، وان أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }*{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ } سورة الأعراف: آية 8 - 9ان الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وبونا كبيراً بين حالهم في رمضان وحالهم بعده، وذلك ان المسلمين اليوم منقسمون بعد رمضان الى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـالسلف الصالح الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر ان يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى ان يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة. ومن الناس من كان صيام رمضان أثقل عليه من الجبال الرواسي ويتمنى بزوغ هلال شوال؛ لينطلق من وثاقه، تسيره شياطين الجن والانس؛ ليعيث في الأرض فساداً، وينتقل من معصيةٍ الى أخرى من دون وازع من دينٍ أو خلق، وما أكثر هؤلاء اليوم الذين أشربوا في قلوبهم حب المعاصي والمنكرات، وبغض الطاعات والقربات، والعياذ بالله.

من علامات قبول العمل

1الحسنة بعد الحسنة؛ فإتيان المسلمين بعد رمضان بالطاعات والقُربات والمحافظة عليها، دليلٌ على رضا الله عن العبد، وإذا رضي الله عن العبد وفقه إلى عمل الطاعة وترك المعصية.انشراح الصدر للعبادة، والشعور بلذة الطاعة وحلاوة الإيمان, والفرح بتقديم الخير,؛ إذ إن المؤمن هو الذي تسره حسنته، وتسوءه سيئته.التوبة من الذنوب الماضية من أعظم العلامات الدالة على رضا الله تعالى.الخوف من عدم قبول الأعمال في هذا الشهر الكريم!!الغيرة للدين والغضب إذا انتُهكت حُرمات الله، والعمل للإسلام بحرارة، وبذل الجهد والمال في الدعوة إلى الله.

احذروا من العجب والغرور والزموا الخضوع والانكسار

الأحبة في الله، إياكم والعجب والغرور بعد رمضان! ربما حدثتكم أنفسكم أن لديكم رصيدًا كبيرًا من الحسنات، أو أن ذنوبكم قد غُفرت فرجعتم كيوم ولدتكم أمهاتكم.. فما زال الشيطان يغريكم والنفس تلهيكم حتى تكثروا من المعاصي والذنوب.ربما تعجبكم أنفسكم فيما قدمتموه خلال رمضان.. فإياكم ثم إياكم والإدلال على الله بالعمل؛ فإن الله يقول: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]. فلا تَمُنّ على الله بما قدمتم وعملتم، ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]. فاحذروا من مفسدات العمل الخفية من (النفاق - والرياء - والعجب).اللهم لك الحمد على أن بلغتنا شهر رمضان! اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وأحسن لنا الختام! اللهم اجبرْ كسرنا على فراق شهرنا، وأعِدْه علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، واجعله شاهدًا لنا لا علينا، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، واجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.

رحل رمضان... ولا للانقطاع عن الأعمال الصالحة

رحل رمضان ولم يمض على رحيله إلا القليل! ولربما عاد تارك الصلاة لتركه, وآكل الربا لأكله، ومشاهِد الفحش لفحشه, وشارب الدخان لشربه.فنحن لا نقول: نريد أن نكون كما كنا في رمضان من الاجتهاد، ولكن نقول: لا للانقطاع عن الأعمال الصالحة، فلنحيا على الصيام، والقيام، والصدقة، ولو القليل.ماذا استفدنا من رمضان ؟!ها نحن ودعنا رمضان المبارك.. ونهاره الجميل، ولياليه العطرة.ها نحن ودعنا شهر القرآن، والتقوى، والصبر، والجهاد، والرحمة، والمغفرة، والعتق من النار.فماذا جنينا من ثماره اليانعة، وظلاله الوارفة؟!هل تحققنا بالتقوى.. وتخرجنا من مدرسة رمضان بشهادة المتقين؟!هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة، وعن المعصية؟!هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه؟!هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟!هل غلبتنا العادات والتقاليد السيئة؟!هل... هل... هل...؟!أسئلة كثيرة.. وخواطر عديدة.. تتداعى على قلب كل مُسلم صادق.. يسأل نفسه ويجيبها بصدق وصراحة.. ماذا استفدت من رمضان؟انه مدرسة إيمانية.. إنه محطة روحية للتزود منه لبقية العام، ولشحذ الهمم بقية العمر.. فمتى يتعظ ويعتبر ويستفيد ويتغير ويُغيِّر من حياته من لم يفعل ذلك في رمضان؟!انه بحق مدرسة للتغيير.. نُغيِّر فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله جل وعلا {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].لا تكونوا كالتي نقضت غزلها!!الأحبة في الله، إن كنتم ممن استفاد من رمضان، وتحققت فيكم صفات المتقين، فصُمتم حقًّا، وقُمتم صدقًا، واجتهدتُم في مجاهدة أنفسكم فيه؛ فاحمدوا الله واشكروه، واسألوه الثبات على ذلك حتى الممات.وإياكم ثم إياكم من نقض الغزل بعد غزله.. إياكم والرجوع إلى المعاصي والفسق والمجون, وترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان.. فبعد أن تنعموا بنعيم الطاعة ولذة المناجاة، ترجعون إلى جحيم المعاصي والفجر! فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان!!ولنقض العهد مظاهر كثيرة عند الناس، فمنها:1- ما نراه من تضييع الناس للصلوات مع الجماعة، فبعد امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح التي هي سُنة، نراها قد قلّ روَّادها في الصلوات الخمس التي هي فرض ويُكفَّر تاركها!!2- الانشغال بالأغاني والأفلام، والتبرج والسفور، والذهاب إلى الملاهي والمعاكسات!!3- ومن ذلك التنافس في الذهاب إلى المسارح ودور السينما والملاهي الليلية، فترى هناك مأوى الشياطين وملجأ لكل رذيلة، وما هكذا تُشكر النعم! وما هكذا نختم الشهر ونشكر الله على بلوغ الصيام والقيام! وما هذه علامة القبول، بل هذا جحود للنعمة، وعدم شكر لها.وهذا من علامات عدم قبول العمل -والعياذ بالله- لأن الصائم حقيقةً يفرح يوم فطره ويحمد ويشكر ربه على إتمام الصيام.. ومع ذلك يبكي خوفًا من ألاَّ يتقبل الله منه صيامه، كما كان السلف يبكون ستة أشهر بعد رمضان يسألون الله القبول.فمن علامات قبول العمل أن ترى العبد في أحسن حال من حاله السابق، وأن ترى فيه إقبالاً على الطاعة «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ» (إبراهيم: 7). أي زيادة في الخير الحسي والمعنوي، فيشمل الزيادة في الإيمان والعمل الصالح، فلو شكر العبدُ ربَّه حتى الشكر, لرأيته يزيد في الخير والطاعة، ويبعد عن المعصية. والشكر ترك المعاصي.واعبد ربك حتى يأتيك اليقينهكذا يجب أن يكون العبد.. مستمر على طاعة الله, ثابت على شرعه, مستقيم على دينه، لا يراوغ روغان الثعالب، يعبد الله في شهر دون شهر, أو في مكان دون آخر، لا.. وألف لا!! بل يعلم أن ربَّ رمضان هو ربُّ بقية الشهور والأيام.. قال تعالى: «فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ »(هود: 112)، وقال: «فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ» (فصلت: 6).والآن بعد انتهاء صيام رمضان، فهناك صيام النوافل: (كالست من شوال)، (الاثنين والخميس)، (عاشوراء) ، (عرفة) ، وغيرها.وبعد انتهاء قيام رمضان, فقيام الليل مشروع في كل ليلة، وهو سنة مؤكدة حث النبي على أدائها بقوله: »عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، مطردة للداء عن الجسد»(1).وفي الحديث عن النبي أنه قال: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل». وقد حافظ النبي على قيام الليل، ولم يتركه سفرًا ولا حضرًا، وقام -وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- حتى تفطّرت قدماه، فقيل له في ذلك، فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»[2].وقال الحسن: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل، ونفقة المال. فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله تعالى، والأنس بذكره في ظُلُم الليل، فليحذر الذنوب؛ فإنه لا يُوفَّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل، فصِفْ لي دواء؟ فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يُقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني أبِيت معافى، وأحب قيام الليل، وأُعِدّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتْك. وقال أيضًا رحمه الله: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وصيام النهار. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبَّل، كبلتك خطيئتك.وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى، وتجعله قادرًا على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النوّام على الفرش؛ ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الزمر: 9].والآن بعد أن انتهت (زكاة الفطر), فهناك الزكاة المفروضة, وهناك أبواب للصدقة والتطوع والجهاد كثيرة. وقراءة القرآن وتدبره ليست خاصة برمضان، بل هي في كل وقت. وهكذا.. فالأعمال الصالحة في كل وقت وكل زمان.. فاجتهدوا -أيها الأحبة في الله- في الطاعات، وإياكم والكسل والفتور.فاللهَ اللهَ في الاستقامة والثبات على الدين في كل حين، فلا تدروا متى يلقاكم ملك الموت، فاحذروا أن يأتيكم وأنتم على معصية.عليكم بالاستغفار والشكرأكثروا من الاستغفار؛ فإنه ختام الأعمال الصالحة (كالصلاة، والحج، والمجالس،... )، وكذلك يُختم الصيامُ بكثرة الاستغفار. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار، يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة، وقال: قولوا كما قال أبوكم آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ الأعراف: 23]. وكما قال إبراهيم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]. وكما قال موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]. وكما قال ذو النون: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87].أكثروا من شكر الله -تعالى- أن وفقكم لصيامه وقيامه؛ فإن الله قال في آخر آية الصيام {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. والشكر ليس باللسان، وإنما بالقلب والأقوال والأعمال وعدم الإدبار بعد الإقبال.هل قبل صيامكم وقيامكم أم لا؟إن الفائزين في رمضان كانوا في نهارهم صائمين, وفي ليلهم ساجدين.. بكاءٌ خشوعٌ، وفي الغروب والأسحار تسبيح, وتهليل، وذكرٌ، واستغفار.. ما تركوا بابًا من أبواب الخير إلا ولجوه، ولكنهم مع ذلك قلوبهم وجلة وخائفة! لا يدرون هل قُبلت أعمالهم أم لم تقُبل؟ وهل كانت خالصة لوجه الله أم لا؟فلقد كان السلف الصالحون يحملون همَّ قبول العمل أكثر من العمل نفسه، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [ المؤمنون: 60]. هذه هي صفة من أوصاف المؤمنين، أي يعطون العطاء من زكاةٍ وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر، وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم. قال علي بن أبي طالب : كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل, ألم تسمعوا قول الله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [ المائدة: 27].فمن منا أشغله هذا الهاجس!! قبول العمل أو رده, في هذه الأيام؟ ومن منا لهج لسانه بالدعاء أن يتقبل الله منه رمضان؟ فلقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم. نسأل الله أن نكون من هؤلاء الفائزين.

ليحزن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردلٍ من إيمان

إن لم يكن لشهر رمضان أثرٌ في نفوسهم وقلوبهم، هجروا المساجد والمصاحف، وأقبلوا على شهواتهم وغفلاتهم، وفسادهم ومجونهم ولهوهم، هذا هو واقع كثيرٍ من أبناء الأمة الاسلامية، والمحسوبين عليها، ولا حول ولا قوة الا بالله!ان هذا الواقع المؤلم لا يرضي الا أعداء الاسلام، الذين يتربصون بنا الدوائر، ويتمنون انسلاخ أبناء المسلمين من دينهم وعقيدتهم، بل ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص، ووالله انه ليحزن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردلٍ من ايمان، فاتقوا الله -أيها المسلمون- واستقيموا على شريعة ربكم، واستمروا على طاعته، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ووجهوا أبناءكم ومن تحت أيديكم الى طريق الرشاد.