الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام،فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان، وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: ما أخبر الربُّ سُبحانه عن سعة علمه بجميع المخلوقات، فقد أحاط علمُه بكلِّ شيءٍ من الموجودات والمعدومات، فلا يعزب عن علمه شيءٌ من المُمكنات أو المُستحيلات.فعَلِمَ سبحانه وتعالى ما كان وما يكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف يكون.فالله سُبحانه وتعالى عالمٌ بأحوال خلقه جميعهم قبل أن يخلقهم، ومُحيطٌ بأعمالهم قبل أن يُوجدهم وبأرزاقهم قبل أن يرزقهم.فمن دلائل استحقاق الربِّ جلَّ جلاله لجلال الأُلوهيَّة، ووجوه تفرُّده سُبحانه وتعالى وحده بكمال العُبوديَّة: علمُه تعالى المُحيطُ بعباده ومن سلَفهم ومن خلَفهم، وأنَّه سُبحانه «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ».فالله سُبحانه وتعالى قد عَلِمَ ما بين أيدي العبادِ ممَّا يستقبلونه من أمور أُخراهُمُ الآجلةِ الباقية، كما أنَّه سُبحانه وتعالى قد عَلِمَ ما خلفَ العبادِ ممَّا يستدبرونه من أمور دُنياهُمُ العاجلةِ الفانية.فقوله سُبحانه: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ»: مُتضمِّنٌ لغيبٍ سيستقبله الإنسان، وقوله سُبحانه: «وَمَا خَلْفَهُمْ»: مُتضمِّنٌ لما مضى من سالف الأزمان.فإن قيل: إنَّ في الآية الكريمة مرتبتيْن زمنيَّتيْن يراهما النَّاظر، وثمَّة مرتبةٌ زمنيَّةٌ ثالثةٌ لِمَ لَمْ تُذكر ههنا وهي مرتبة الحاضر؟فجواب ذلك من وجهين، بذكر تقريرِهما قُرَّةُ العين:الوجهُ الأوَّل: أنَّ مَنْ أحاطَ علمُه بالغيب الذي سيستقبله الإنسان: فمن المُتقرِّر بداهةً أنَّه سيعلم ولا بُدَّ ما هو عليه الآن.الوجهُ الثَّاني: أنَّ القُرآن الكريم يُفسِّر بعضُه بعضاً بلا ريبٍ ولا مَيْن، وقد جاء التَّنويهُ بذكر هذه المرتبةِ مع هذه المرتبتيْن، فقد أخرج البُخاريُّ في صحيحه عن عبدالله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لجبريل: ألا تزورنا أكثرَ ممَّا تزورنا؟ فنزلت: «وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا»).فقوله سُبحانه: «وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ» أي: ما بين زمن الماضي وزمن الاستقبال، وهو الزَّمن الحاضر الذي يُضارع فيه العبد سائر الأعمال من الأفعال والأقوال.فالمُتأمَّلُ في حُسنِ مُناسبةِ ختمِ هذه الآيةِ الكريمةِ بقوله سُبحانه وتعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا»: يُدرك تضمُّنها لإثبات كمال ضدِّ المنفي وهو كمال عِلْمِ إلهٍ استحقَّ أن يُعبد لكونه قيُّوماً حياً.فكمالُ عِلْمِ الله سُبحانه وتعالى بجميع الأحوال المُحيطة بالخليقة: يستلزم لزومهم لطريق العُبوديَّة مع اصطبارهم على هذه الطَّريقة، لذا أُتبع قوله تعالى: «وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا»: بقوله تعالى: «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا».وكمالُ عِلْمِ الله سُبحانه وتعالى بأحوال العباد: يستدعي التَّزوُّد بالتَّقوى والاستعداد ليوم المعاد، فالعُقلاء من أُولي الألباب والفُطْنُ من أولي الأبصار والألبَّاء من أُولى النُّهَى: من أعدُّوا العُدَّة لأُخراهم لعلمهم أنَّ ربَّهم تعالى ما ضلَّ وما نَسِيَ وما سَهَا.وهذا من أوضح الدَّلائل وأصدق البراهين: التي عرَّف بها مُوسى عليه السَّلام ربَّ العالمين، فحين استعلى فرعون إفراطاً وطُغياناً، وادَّعى الرُّبوبيَّة افتراء وكذباً وبُهتاناً، «قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى».فالإله المُستحقٌّ للعُبوديَّة: هو المُتفرِّد بكمال الرُّبوبيَّة، والرَّبُّ لا يتوحَّد بجلال الرُّبوبيَّة إلا إذا كان خالقاً، ولا يستحقُّ اسم الخالق إلا إذا كان قادراً عالماً رازقاً.العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريبكلية الشريعة - جامعة الكويت
متفرقات - إسلاميات
العروة الوثقى / سعة علم الله
| الدكتور وليد محمد العلي |
04:28 م