الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام، فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.

كلمة الشهادة

وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: ما تضمَّنته جُملها من شرح كلمة الشَّهادة؛ وما اشتملت عليه من مفتاح دار السَّعادة، فهي كلمة التَّقوى؛ وعُروة الدِّين الوُثقى، وهي زُبدةُ دعوةِ الأنبياء المُرسلة؛ ورأسُ أمرِ جميعِ الشَّرائعِ المُنزلة.فهي أعظمُ كلمةٍ انعقد عليها الجنان، وأجلُّ وأشرفُ شهادةٍ نطق بها اللِّسان، وأفضلُ ما حقَّقت مقاصدَه الأركان.وهي الكلمةُ التي بتردادها يتجدَّد الإيمان، والشَّهادةُ التي تُحرِّم على العبد الخلودَ في النِّيران، وتُوجبُ له المصيرُ إلى الخُلود في الجنان.فهذه الكلمة مُشتملةٌ على الإقرار بكمال وحدانيَّةِ الربِّ عزَّ وجلَّ وتفرُّدِه باستحقاق العُبوديَّة، وأنَّه واحدٌ لا مثيلَ له في أسمائه وصفاته ولا عديلَ له في الرُّبوبيَّة ولا شريك له في الأُلوهيَّة.فلا إله بحقٍّ إلا الله؛ ولا يُؤلَّه ويُعبد إلا إيَّاه، فهو الحقُّ وما سواه باطلٌ، وهو المُبين وما سواه عاطلٌ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.فهو الصَّمد الذي يُغني ويُقني جميع قاصديه، ومن يُدعى من دُونه لا يُملكُ شيئاً لعابديه، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}.لذا كان الله عزَّ وجلَّ هو المُستحقٌّ بأن يُخصَّ بالعبادة وبه يُستعان، لأنَّه لا حول ولا قُوَّة للعابد إلا بالله وحده فهو الذي هداه وأعان، فلمَّا أعان الله عزَّ وجلَّ عبده فنعم المعبودُ ونعم المُعين، ناجاه العبد وناداه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.وإنَّ من وجوه فضائل آية الكُرسيِّ افتتاحَها بهذه الشَّهادة؛ التي يرجو كلُّ عبدٍ من الله تعالى بتحقيقها الحُسنى وزيادة.ألا وإنَّ من فضائلِها الحسنةِ الكثيرة؛ وعوائدِها وفوائدِها المُستحسنةِ الوفيرة:أنَّ بُنيان دين الإسلام؛ أُسِّس على قواعدها العظام، فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله؛ وأنَّ مُحمَّداً عبدُه ورسولُه، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت).فهذه الشَّهادةُ هي أوَّلُ ما يُدعى إليه؛ كما أنَّها أعظمُ ما يُعوَّل عليه، فعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه قال: (بعثني رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إنَّك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ وأنِّي رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك: فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك: فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فُقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك: فإيَّاك وكرائِمَ أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجابٌ) أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.فالنَّاطق بهذه الشَّهادة بلسان الحال والمقال: هُو المعصوم شرعاً إلا بحقٍّ في النَّفس والمال، فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (أُمرتُ أن أُقاتل النَّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله: فقد عصم مِنِّي مالَه ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله).فهذه الشَّهادة هي أفضل شُعب الإيمان؛ لما تتضمَّنه من الإقرار بوحدانيَّة الرَّحمن، كما أخرج مُسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (الإيمان بضعٌ وسبعون؛ أو بضعٌ وستُّون شُعبةً، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطَّريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان).فهذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التَّوحيد هي التي تُبْصِرُ بها العينُ النُّورَ بعد عماها؛ وهي التي تُشنِّف الآذانَ بفضل الله تبارك وتعالى وتهدي القُلوبَ بعد زيغها ورداها.العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريبكلية الشريعة - جامعة الكويت