في شرقنا العظيم لا تذكر الحرية غالبا إلا مقترنة بالقيود التي يجب أن توضع عليها كي لا يساء استخدامها، ركزنا أعيننا على القيود حتى لم يعد في جعبتنا سواها. تحولت عينا كل شخص إلى حلقتي أصفاد لا ترى إلا ما يجب منعه وتجريمه وتحريمه. وفي وهج افتتاننا بالقيود واحترافنا لكيفية اختراعها وتطبيقها نسينا ذلك الشيء الذي ربما كان أهم ما يميز الإنسان عن باقي مخلوقات الله، الشيء الذي نخشاه ونرهب مناقشته ونحتمي من حرارته بالقيود: الحرية.لن أحاول تعريف الحرية ومجالاتها ههنا؛ لأن هذا مما تطيقه الكتب المتخمة، ما أرجوه هو التقاط بعض المواضع التي ربما غابت عن أعين كثيرين والتي تكمن فيها أجزاء مهمة من شعورنا الداخلي بالحرية. لكن قبل ذلك يجب التأكيد ـ استجابة للقيود الشهية ـ أن الحرية ليست هي الفوضى وإطلاق العنان لرغبات الإنسان وشهواته الفردية على حساب الآخرين.أين هي الحرية؟ أين تكمن؟ وهل حرياتنا واحدة متطابقة؟ هل ما تسميه أنت حريتك هو ما أراه أنا حريتي؟الأسئلة دوما أكثر من الأجوبة وأكبر، لكن دعونا نتعرض لشيء من تفاصيل حرياتنا.لم أظن يوما أن الحرية كتلة متماسكة أو سائلا سحريا في بعض خلايا المخ، حسبتها ولم أزل كامنة في تفاصيل حياتنا، وأخص تلك التفاصيل التي تعدها القوانين والأعراف احتياجات أساسية للإنسان.يكمن جزء رئيس من حريتنا في الشعور بالأمن. ولكي يتضح ذلك افترض معي ـ عافاك الله وعافاني ـ أننا ضللنا الطريق في غابة مليئة بالحيوانات المفترسة، وأن أحد هذه الحيوانات يطاردنا؛ ما الذي سيملك علينا مشاعرنا ويسيطر على حواسنا سوى الخوف؟ هل بإمكاننا والحال كذلك أن نفكر في حريتنا أو أن نشعر بها؟ هل يمكننا ساعتها الاختيار بين الفواكه التي تتدلى حولنا من أشجار الغابة؟ هل سنراها بالأساس؟ فإن ظهر لنا شخص قوي يمسك سلاحا وعرض علينا أن نعمل لديه مقابل حمايتنا وحفظ حياتنا، ألن نقبل؟ هكذا تقف الحرية عند حدود الأمن لا تتخطاها، ويصبح الإنسان غير الآمن ـ أو الشعب غير الآمن ـ مفتقدا لجزء رئيس من حريته.يمكننا تخيل النقيض، تخيل أنك استطعت الإفلات من الغابة ومن الشخص الذي استعبدك في مقابل تأمينك وأنك تجلس في بيتك وحولك عائلتك. جيرانك معروفون ومأمونون لديك، وأمام البيت تمر من حين لحين دوريات الشرطة التي تعمل على حمايتك، والقوانين التي تعيش في ظلها عادلة لا تفرق بين الوزير وعامل النظافة. هنا ينفلت عقلك وروحك من الخوف وتأخذ مشاعر الحرية في التولد وبعدها يصبح بإمكانك أن تسلك سلوك الحر.لكن ماذا لو أن بيتك ـ أعزك الله وسترك ـ هو بيت فقيرٍ لا يحوي ما يقيك أنت وأولادك شرور الجوع والبرد والمرض؟ هل سيكون فكرك أو شعورك حرا؟ ما مجالات الاختيار التي ستكون متاحة أمامك؟ في الفقر والحاجة إذن إهدار لجزء من حريتنا الداخلية، يكمن هذا الجزء في الستر وتوفر الاحتياجات الأساسية والشعور بقدر مناسب من الوفرة.آخر ما ينتقص الحرية العميقة في أرواحنا ويبددها بلا رحمة هو الجهل. ولتتخيل معي أيها القارئ الكريم ـ وقاك الله شر الغفلةـ أن هناك شخصا يعيش في بلد آمن ويملك ما يكفل له حياة رغدة مرفهة، ثم إن هذا الشخص لم يتلق شيئا من التعليم ولم يقابل من تجارب الحياة ما يثقف عقله ويصقل قلبه، هل سيكون هذا الإنسان حرا؟ أم تراه سيكون عبدا لضيق أفقه وقصور تصوراته عن الإنسان والحياة والعالم؟ وإذا وقف هذا المسكين أمام خطر يهدد حياته وحياة من حوله وكان له القرار، فهل تظنه سيحسن اختيار ما يحفظ حياته وحياة الآخرين؟ أغلب الظن أنه سيهلكهم ويهلك نفسه بلا تردد.يمكننا الآن أن نفترض صحة المعادلة التالية: الأمن + الستر + المعرفة = الحرية.
محليات - ثقافة
قوس قزح / عن الحرية
| د. أيمن بكر |
01:12 م