الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام، فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.
أعظم آية
إنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: أنَّها أعظمُ آيةٍ في القُرآن المُنزَّل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الإطلاق، فعظمة آية الكُرسيِّ تفوقُ عظمةَ ما في الأرضِ وما في السَّماواتِ السَّبعِ الطِّباق، فقد أخرج التِّرمذيُّ في سُننه عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: (ما خلق الله من سماءٍ ولا أرضٍ أعظمَ من آية الكُرسيِّ.قال سُفيان بن عُيينة رحمه الله تعالى: لأنَّ آية الكُرسيِّ هو كلام الله، وكلام الله أعظمُ من خَلْقِ اللهِ من السَّماء والأرض).فلهذه الفضائلِ المحفوفةِ بهذه الآيةِ الكريمةِ والمصحوبةِ: شُرعَ لنا أن نقرأها في أدبارِ الصَّلواتِ الخمسِ المكتوبة، فقد أخرج النَّسائيُّ في سُننه الكُبرى عن أبي أُمامةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (من قرأ آية الكُرسيِّ في دُبُر كُلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: لم يمنعْهُ من دخولِ الجنَّة إلا أن يموت).فمن حافظ على الفضيلة المُؤكَّدة من السُّنَّة: فهو موعودٌ بمشيئة الله تعالى بدُخول الجنَّة.ومن أراد أن يُعصم مِمَّا يُؤذَى به ويُسَاء: فليُحافظ على قراءتِها كُلَّ صباحٍ ومساءٍ، فيقرأُها من بعد صلاة الفجر إلى قبل طُلوعِ الشَّمس، ويتلوها من بعد صلاة العصر إلى قبل غُروبِ الشَّمس، فقد أخرج النَّسائيُّ في سُننه الكُبرى عن مُحمَّد بن أُبيِّ بن كعبٍ رحمه الله تعالى قال: (كان لجدي جُرْنٌ من تمرٍ، فجعل يَجِدُهُ ينقصُ، فحرسه ذات ليلةٍ: فإذا هو بدابَّةٍ شِبْهِ الغُلام المُحتلم، فسلَّم عليه، فردَّ عليه السَّلام، فقال: من أنت؟ أجنٌّ أم إنسٌ؟ قال: لا؛ بل جنٌّ. قال: أعطني يدك، فإذا يَدُ كلبٍ؛ وشَعْرُ كلبٍ. قال: هكذا خَلْقُ الجنِّ؟ قال: قد علمت الجنُّ ما فيهم رجلٌ أشدُّ مِنِّي. قال: ما شأنك؟ قال: أُنبئتُ أنَّك رجلٌ تُحبُّ الصَّدقة، فأحببنا أنْ نُصيبَ من طعامك. قال: ما يُجيرُنا منكم؟ قال: هذه الآيةُ التي في سُورة البقرة: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}، إذا قُلتها حين تُصبحُ: أُجرت مِنَّا إلى أن تُمسيَ، وإذا قُلتها حين تُمسي: أُجرت مِنَّا إلى أن تُصبحَ، فغدا أُبيٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره خبره، قال: صدق الخبيث).وقراءةُ آيةِ الكُرسيِّ في البيتِ تطردُ الآفات، وتحفظُه من أذى الشَّياطينِ وشرِّ المُؤذيات، فقد أخرج التِّرمذيُّ في سُننه عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه: (أنَّه كانت له سَهْوَةٌ فيها تمرٌ، فكانت تجئُ الغُولُ فتأخذُ منه، فشكا ذلك إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: فاذهبْ؛ فإذا رأيتَها فَقُلْ: بسم الله، أجيبي رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال: فأخذها فحَلَفَتْ أن لا تعودَ، فأرسلها، فجاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حَلَفَتْ أن لا تعودَ. فقال: كذبت، وهي مُعاودةٌ للكذب. قال: فأخذها مرَّة أُخرى، فحَلَفَتْ أن لا تعودَ، فأرسلها، فجاء إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حَلَفَتْ أن لا تعودَ. فقال: كذبت، وهي مُعاودةٌ للكذب، فأخذها فقال: ما أنا بتاركِكِ حتَّى أذهبَ بكِ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: إنِّي ذاكرةٌ لك شيئاً: آية الكُرسيِّ، اقرأها في بيتِك، فلا يقربُكَ شيطانٌ ولا غيرُه. قال: فجاء إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبره بما قالت، قال: صدقت؛ وهي كذوبٌ).وقد كان السَّلف الصَّالح يقرؤون في بُيوتهم هذه الآية الكريمة: طمعاً فيما ورد من الخير في فضائلها الكثيرة وخيراتها العظيمة.قال عبدالله بن عُبيد بن عُميرٍ رحمه الله تعالى: (كان عبدُالرحمنِ بنِ عوفٍ رضي الله عنه إذا دخل منزله: قرأ في زواياه آيةَ الكُرسيِّ) أخرجه ابن أبي شيبة في مُصنَّفه.قال عبَّاسٌ الدُّوريُّ رحمه الله تعالى: سمعتُ يحيى بن معينٍ رحمه الله تعالى يقول: (كنتُ إذا دخلتُ منزلي باللَّيل: قرأتُ آية الكُرسيِّ على داري وعيالي خمس مرَّاتٍ، فبينا أنا أقرأ: إذا شيءٌ يُكلِّمني: كم تقرأ هذا؟ كأن ليس إنسانٌ يُحسنُ يقرأُ غيرَك. فقلتُ: أرى هذا يسوءُك، واللهِ؛ لأزيدنَّك، فصرتُ اقرؤها في اللَّيلة: خمسين؛ أو ستِّين مرَّة).العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريب - كلية الشريعة جامعة الكويت