منذ بداية تشكيل الوعي المبكرة، والقراءة محرض جميل على الفضول والبحث عن المعارف والتسالي والحكايات التي نمت معها جوانبنا الثقافية، العاطفية والخيالية ضمن تكوين هويتنا الإنسانية، بعيدا عن مواريث المجتمع والعائلـة. فبالقراءة يتشكل أصـل جديد لبني آدم بعد ميلاده، يزيده شرفا إن كان نور العلم والأخلاق الرفيعة هما خطى نسبه ونسله.وما كان تحريض القراءة هذا، ليكون لولا ذلك السحر العجيب في وجود مكتبة ما تلجأ إليها، تبحث بين رفوفها المحلقة من وإلى كل مكان ودفتي كتبها الآتية من الماضي السحيق للمستقبل العميق، وهنا تكون المغامرة!بدأت المغامرة مع أولى كتب وضعتها في مكتبتي الصغيرة قبل أكثر من 30 عاما وكانت عبارة عن مجلات ماجد وأقرانها، مرورا ببعض الكتيبات التي استعرتها/ سرقتها من مكتبة والدي وهي الحديثة الزاهرة بالكثير من الكتب. ثم أعظم وأجمل السرقات، كتاب مروج ومعادن الجوهر الذهب للمسعودي وقصص أمم غابرة و شخصيات عابرة تركت أثرا لا يمحى حتى اليوم. ولا أنسى كيف كانت مكتبة والدي ثروة جميلة له كما نحن ابنائه ثروته الحقيقية، عندما نقلها من بيت لآخر في فترة الاحتلال العراقي، هنا ايقنت بأهميتها البالغة ومكانتها المقدسة.وبعد دخول الحياة الجامعية، بدأ مشروع تأسيس مكتبتي الخاصة، باستعارات من مكتبة الكلية وشراء المراجع الدراسية التي كانت في مجملها كتب متخصصة في آداب اللغة العربية أدبا و لغة ونقدا. فتنمو محبة الكتب في قلبي شيئا فشيئا، وتنقلب المحبة لعشق بعد تعرفي على أهم المكتبات في الكويت: دار العروبة، العجيري، الربيعان، الأندلس، قرطاس، مكتبة مشرف التي أصبحت الإشراف، ذات السلاسل. من دون أن أنسى فرع المكتبات الكويتية في الأحمدي، فكانت كنزا قريبا وملاذا سريعا. وغيرها من المكتبات هنا وهناك؟ولم اكتف، فبت على موعد مع معارض الكتب في الكويت أو بما يصل إلينا عبر وسطاء من خارجها، دون أن أعلم أن العشق تحول إلى جنون كبير. فصار حلمي الأول في بيت العمر، هو مكان خاص يحتوي الجنون المسمى بـمكتبتي.وبفضل الله، تحقق الحلم، وتأسست المكتبة لتضم الكتب التي قطفتها على مدى سنوات وسنوات، وبقيت تنتظر امكنتها الخاصة بها باختلاف مجالاتها وعلومها. ومع كل كتاب تمر ذكرى ما وإهداء معين، وأسماء رحل أصحابها عن الدنيا وبقوا حاضرين بنتاجهم ومؤلفاتهم. إضافة لكم من الكتب المكررة التي غفلت الذاكرة عنها تحت وطأة الحاجة الملحة أو هاجس عدم الظفر بها مستقبلا. إضافة لكتب الأصدقاء والأشخاص التي مرت/ عبرت في حياة هذه المكتبة، لأستعيد معها– كتبهم– ذكريات ما، لا تلغي التعاطف/ القرب الإنساني، وإن نجح الزمن الموحش في خلق المسافة الضرورة، وربما البعد المؤلم. لتبقى كتبهـم المبدعة حاضرة كبـديل جميـل في أقل تعويض.لأقرأ ثانية ما نسيته، وما أود استرجاعه بوعي جديد، يخلق إبداعا آخر في ظرف مختلف جدا عن السابق. فلم تعد هناك اسرار محجوبة خلف الأغلفة الملونة بعد اليوم، فمصيرها أن تكون كتابا مفتوحا بيد قارئ مختلف هذه المرة. فلم يعد صعب فهمها، ولم تعد مشكلة مطلقا كما عند نزار قباني، عندما شبّه مشكلته مع امرأة ما بكتاب لا يعرفُ القراءة!ومع ذلك أتساءل أيضا... هل ثمة كتاب لا يعرف القراءة؟!والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.* كاتب وناقد كويتي@bo_salem72