نلقي الضوء اليوم على سيرة الاستاذ سعدي بدران، أحد الكوادر العلمية من الرعيل الأول، الذين اسسوا لبنات الصرح التعليمي... فنتطرق إلى المدارس التي درّس بها ثم نتحدث عن ادارته لمدرسة عمر بن الخطاب، والتي كان بها انطلاقة تقديم الوجبات الغذائية للتلاميذ بمقترح من الاستاذ سعدي بدران، فلنترك عزيزي القارئ مع ذلك:ولد الاستاذ سعدي بدران سنة 1900 في نابلس احدى مدن فلسطين الشهيرة وقد عرفت هذه المدينة بمركزها التجاري وبطيبة ارضها وتوافر المراكز العلمية بها في الماضي. نشأ الاستاذ سعدي بدران في بيت علم وفضل وصلاح فوالده كان من العلماء الذين تبوؤا منصب القضاء في مدن فلسطين ومن يصبح قاضيا لابد أن يكون بلغ درجة عالية من العلم الذي يؤهله ليحكم بين الناس من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام... لذلك كان من تعلم عنده الاستاذ سعدي بدران هو والده حيث تلقى مبادئ اللغة العربية واجاد تلاوة القرآن الكريم وحفظه ثم أخذ من علم والده واكتسب منه كثيرا من العلوم الشرعية من خلال دراسته عنده وملازمته له والى جانب هذا الجو العلمي الرصين التحق في المدارس الحكومية المتوافرة في نابلس انذاك فدرس في مدرسة نابلس وهي على النمط الدراسي المكثف الذي سلم تعليم بجعل المرحلة الابتدائية سبع سنوات متتالية ثم الثانوية مباشرة اربع سنوات.المعلمينوحين اتم دراسته التحق في احدى المنارات العلمية دار معلمين القدس وكان ينتخب لها الطلبة المميزون والاوائل، وكان يتطلب من الملتحق في دار المعلمين القدس أن يقيم في السكن الداخلي لهذه الكلية فالدراسة بها مكثفة والقوانين الدراسية المعمول بها نظاماً مميزا يطبق وتأخذ بالجدية... درس بها جميع المواد المتعلقة في التعليم سواء النظرية أو العملية بالاضافة إلى الدبلوم التربوي الذي يحتم على الطلبة دراسته بعد التخرج حين انهى دار معلمين سنة 1921.الرشيديةحينما تخرج في دار معلمين القدس سنة 1923 استهل طريقه العلمي والعملي مدرس فصل لأكثر من مادة في مدرسة الرشيدية احدى مدارس القدس المميزة فكانت فاتحة خير له حيث زامل جهابذة من المدرسين والتربويين المميزين فهي المدرسة كانت تعتبر من افضل المدارس المتوافرة في تلك الفترة كانت المدة التي قضاها في مدرسة الرشيدية مرحلة ثرية في حياته فصقلت قدراته وتعلمه واكتسب خبرات متعددة في التدريس واساليبه عندما انضم إلى الهيئة التعليمية في المدرسة الرشيدية بعد ذلك انتقل إلى مدينة غزة وحيفا وعمل فترة في مدارسها واوكل إليه تدريس مواد عامة.الأحداثكان الواجب الوطني والنزعة الاسلامية تحتم على سعدي بدران أن ينظم للمقاومة التي شكلت وانخرط بها شباب الامة في مواجهة اليهود والانكليز لوقف مخطط في ارض فلسطين شارك في المقاومة وتم اسناد له مهمة توفير السلاح لها وتطلب الامر منه أن يذهب إلى شيكسلوفاكيا فتجارالسلاح متوافرون بها وكان الطريق صعبا ووعرا في تلك الايام وقد انجز هذه المهمة الصعبة وتم توفير سلاح للمقاومة.المباركيةقدم الاستاذ سعدي بدران للكويت سنة 1936 لكن وفاة والده جعلته يعود الى نابلس فقضى فيها فترة من الزمن ثم رجعة سنة 1948... فمدرسة المباركية اولى المدارس التي أسست على نمط حديث في الكويت استقطب لها الكوادر العلمية المميزة، فكان منهم الاستاذ سعدي بدران حيث التحق للتدريس بها سنة 1948، واسند اليه تدريس مدرس فصل، اي مدرس شامل، كذا مادة عربي ورياضيات ودين وتاريخ وكانت الدراسة على فترتين، ولخبرة سعدي بدران في التدريس والاساليب كان محل استشارة لكثير من زملائه يأخذون رأيه في كثير من الامور. ولقد ابتكر اسلوبا مميزا في طريقة توصيل المعلومة لتناسب فهم الطلبة وقدراتهم، حيث لاحظ ان هناك صعوبة لدى الطلاب في فهم واستيعاب بعض مقررات مادة الرياضيات، وهي ما كان يطلق عليه «الحساب» وخصوصا في الاعداد الحسابية، فذهب إلى مرسم المدرسة وطلب من زملائه العاملين ومدرسي التربية الفنية ان يرسموا له لوحات متعددة فيها اعداد من الفواكه والطيور لكي يستخدمها في تقريب الفهم ويبسط المادة والمقرر باسلوب قريب من افهام الطلبة، فأخذ يستخدم هذه اللوحات في التدريس، فكان لvهذه الطريقة الاثر الكبير على الطلبة حيث شاهدوا اسلوبا مغايرا يحببهم في المادة ويشحذ هممهم.الأحمديةبعدما قضى كذا عام دراسي في مدرسة المباركية انتقل إلى مدرسة الاحمدية والتي كان موقعها محاذيا لسيف البحر، واسند اليه مدرس فصل، وبعد ذلك رُقي ليكون ناظرا في مدرسة عمر بن الخطاب وهي من اوائل المدارس التي انشئت على نمط حديث من ناحية المبنى والمنهج، وقد خصصت للمرحلة الابتدائية حين اول تأسيسها، وموقعها اليوم محاذٍ لمجلس الامة.الطريقةكان في اختيار الاستاذ سعدي بدران ناظرا للمدرسة الجديدة والتي اطلق عليها مدرسة عمر بن الخطاب اختيار موفق من ادارة المعارف، فالمسؤولون لها كانوا يعرفون تميزه وتاريخه التربوي وقدراته المتناهية والخبرة في الحقل التربوي لذلك تم اختياره ليكون ناظرا للمدرسة وكان ذلك سنة 1951.الوجباتكان هناك طبيب خصص من قبل ادارة المعارف يأتي بشكل دوري للمدارس لكي يقوم باجراء بعض الفحوصات الطبية المطلوبة منه لطلبة المدارس في تلك الفترة وهو الطبيب «سليمان كات خدا» من «كوسوفو» وفي كل مدرسة غرفة جعلت عيادة طبية يستقبل الطبيب سليمان كات خدا الطلبة الذين يحتاجون إلى بعض الادوية، حيث يقوم باجراء فحوصات لهم ثم تصرف الادوية، وكان الاستاذ سعدي بدران دائما يجلس معه ويتبادل الحديث عن مشاكل الطلبة الصحية وكيفية علاجها، فذكر له ان الطلبة بحاجة إلى تغذية حيث يظهر على كثير منهم سوء التغذية وهذا يؤثر على تحصيلهم العلمي، فأخذ جولة معه في فناء المدرسة وفصولها وتحقق بنفسه من هذا الامر، وعلى الفور ذهب إلى رئيس المعارف الشيخ عبدالله الجابر وأخبره بما يحتاجه الطلبة و«ان العقل السليم في الجسم السليم»الأستجابةفاستجاب الشيخ عبدالله الجابر لطلب الاستاذ سعدي بدران فهو يعرف اخلاصه في مجاله ومكانته التربوية وخبرته في هذا الحقل، ثم ذهب إلى الطبيب سليمان وقال له ما هو انسب غذاء للطلبة في فترة الصباح، فقال الطبيب شوربة العدس تحتوي على جميع الفيتامينات الغذائية التي يحتاجها الجسم خصوصا اول النهار فخصص الاستاذ سعدي بدران مكانا في مدرسة عمر بن الخطاب لكي تجهز به الوجبات الغذائية ووفرت له «المعارف» من يقوم بذلك وجعل فرصة واستراحة الساعة العاشرة هي وقت صرف الوجبات الغذائية للطلبة، فهذا الوقت مناسب للجميع، ومن مدرسة عمر بن الخطاب انطلقت الوجبات الغذائية وتعممت حيث تولى هذا الامر المطبخ المركزي حين تأسيسه.الطلبةالاستاذ سعدي بدران حينما كان ناظرا في مدرسة عمر بن الخطاب كان ينظر إلى الطلبة على انهم عماد المستقبل وحملة رسالة العلم والحياة، فكل ما يحتاجونه يوفره لهم في المدرسة، ويأتي بكل جديد في التربية والتعليم، ومن الانشطة التي وفرها للطلبة نشاط في التربية العملية حيث جعل في المدرسة ورشة متكاملة تعلم الطلبة من خلالها بعض الصناعات اليدوية التي يحتاجونها وقد صقلت بعض المواهب والقدرات من خلال هذه الورشة.الخاصكان هناك يوم رياضي يقام في ثانوية الشويخ لجميع المدارس، كانت مدرسة عمر بن الخطاب تشارك بفريقها الخاص الذي جمع فيه فرق لجميع الالعاب فكان الاستاذ سعدي يولي الرياضة اهتمامه خصوصا انه يشجع الطلبة ويحفزهم ودائما يوجه مدرسي التربية البدنية ويحثهم ويجتمع معهم حتى ينهض بمستوى الطلاب الرياضي وهذا الـذي جعل الفريق الرياضي الخاص يحقق البطولات في اليوم الرياضي الذي كان يقام سنويا في ثانوية الشويخ.النشاط الرياضيكان الاستاذ سعدي قريبا من الجميع واضعا مصلحة ابنائه الطلبة نصب عينيه يسعى لكل ما يوفر لهم الجو العلمي المناسب فخصص يوما رياضيا اطلق عليه الفريق الخاص يقام في المدرسة ويمارس به جميع الالعاب البدنية، فكل لعبة لها فريق وكان يهدف من خلالها إلى بث الالفة والمحبة والأنس والفرح بين الجميع وكسر الروتين ورتابة اليوم الدراسي.الكشافةالحركة الكشفية ذات طابع تربوي علمي شبابي تطوعي تهدف إلى تنمية الشباب بدنيا وثقافيا، انضم اليها الاستاذ سعدي بدران وعاصرها وهو طالب ومدرس وقضى بها سنين طويلة وحضر كثيرا من ملتقياتها لذلك اطلق عليه «الكشاف العجوز» لذلك كان محل استشارة ونصائح لمن انضم للحركة الكشفية.الاسلوبحينما تبدو من طالب مشكلة في المدرسة او يحدث منه سلوك غير مقبول ويصل امر هذا الطالب إلى الاستاذ سعدي كان يأمر الطالب باستدعاء ولي امره، وهذا الامر الذي طلبه كان يهدف من خلاله إلى معرفة حالة الطالب الاسرية وهل هناك مشاكل في البيت جعلت هذا الطالب يقوم بهذا التصرف. فكان يركز على حل مشكلات الطلبة خارج المدرسة ويسعى في ذلك بكل ما يملك من صلاحيات فهو أب لجميع الطلبة واضعا مصلحتهم في اولى الاولويات فكان يقوم بدور الاشراف الاجتماعي ودائما يردد« المدرسة في البيت والبيت في المدرسة».الوزارةبعدما قضى مدة ثماني سنوات ناظرا في مدرسة عمر بن الخطاب وأرسى بها قواعد التربية والتعليم قرر المسؤولون في الوزارة الاستفادة من خبرته وعطائه في توجيه وارشاد المدرسين الملتحقين حديثا في سلك التدريس وتأهيلهم للجو الدراسي، فكل بلد له طريقته ومسلكه لذلك انشئت هذه الادارة وهي ادارة للاشراف الفني والتأهيلي فاختير الاستاذ سعدي بدران للعمل بها واصبح مشرفا بهاومعه الاستاذ حسن الجشي وربحي عارف.المنهلبعدما ترك عمله الحكومي وتقاعد لم يستطع الابتعاد عن التدريس والجو العلمي الذي سلكه منذ نعومة أظافره فأسس مدرسة نموذجية اطلق عليها المنهل أي المنهل من العلم ونبعه من نبعه وكانت ذات مراحل دراسية متكاملة... ورغم انها مدرسة خاصة إلا أن الاستاذ سعدي بدران كان يرغب منها توفير فرص التعليم لمن كان ليس عنده فرصة في التعليم الحكومي لذلك كان يعفي بعض الطلبة من دفع الرسوم مما ليس عنده قدرة لظروفهم المالية وقلة ذات اليد.اما وفاته فكانت سنة 1992.الجابرارتبط الاستاذ سعدي بدران بصداقة وعلاقة حميمة مع الشيخ عبدالله الجابر استمرت سنين طويلة وكان الشيخ يصطحبه معه في بعض رحلاته وطلعاته في صحراء الكويت ومن ذلك احدى الرحلات التي قام بها الشيخ عبدالله الجابر ومعه مجموعة كبيرة من المدرسين لتعريفهم بمناطق الكويت الصحراوية والحدودية منها وكان الاستاذ سعدي بدران أحد المرافقين معهم.الاستقلالفي اول احتفال لعيد الاستقلال الذي اقيم سنة 1961 واشترك به قطاعات كثيرة من الدولة الجيش والشرطة ووزارة التربية... وغيرهم كان اول طالب يرفع علم الكويت ويدخل إلى طابور العرض هو ابن الاستاذ سعدي بدران الطالب جهاد سعدي بدران كان في تلك الايام في مدرسة المتنبي وكان رافع العلم ويسير وبجانبه احدى الطالبات معها باقة ورد لكي تقدمها لصاحب السمو الامير الراحل الشيخ عبدالله السالم... وكان جهاد سعدي بدران في مقدمة العرض رافعا علم الكويت القديم الاحمر.
متفرقات
جعل من المدرسة ورشة لتدريب الطلبة على بعض الصناعات اليدوية... وأنشأ فريقا خاصا لجميع الألعاب الرياضية
سعدي بدران... أول من قدم الوجبات الغذائية لطلبة المدارس
06:45 م