تقول العرب: إن كل كبير أوله صغير، وأن كل كثير فإنما هو قليل جُمع من قليل، قال الشاعر: رب كبير هاجه صغير/ وفي البحور تغرق البحور. أي : لولا الصغير لما عرف الكبير. الصغير: صغير، مهما كبر اسمه، ومهما عظم رسمه، ومهما زاد حجمه، كلمة تحمل كل صغير، صغير السن، صغير الشيء، صغير الشكل، صغير الحرف، صغير المعرفة والعلم، وأما العلم والجهل بالمعرفة، يطري علي حادثة حدثت في اواخر القرن الاول الهجري، بين قائد من قادة الدولة الاموية، وأمير من امراء الخوارج: بعث احد القادة في دولة بني امية «ويقال انه روح بن زنباع»، الى أمير الخوارج وهو «قطري بن الفجاءة»، رسالة ينصحه بها ويعاتبه، ويحثه على عدم الخروج على امير المسلمين، ويذكره بطاعة ولي الامر، واجبة على كل مسلم وعدم الخروج عليه، وقال ألم تسمع: (كتب القتل والقتال علينا وعلى القانيات جر الذيولي). القانيات. معنى: الحمراء الشديدة الحمرة. قال بن الفجاءة : فقهك في الكتاب اخرجني عليك. أي: جهلك في كتاب الله هو من جعلني اخرج عليك. قطري بن الفجاءة هو أبا نعامة : من أعلم الناس واشعر الناس واشجع الناس، الا انه سلك طريق «الازارقة». ذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: خطبة من خطب قطري بن الفجاءة؛ وذكر كثير من الباحثين في مجال التاريخ الإسلامية؛ انه بن الفجاءة يصنف من البلاغة أهل الحديث: صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة– وهو أحد بني مازن بن عمرو بن تميم: فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة خوانة غدارة، وحائلة زائلة ونافدة بائدة، أكالة غوالة بذلة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضى عنها أن تكون كما قال الله تعالى: (كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا)» سورة الكهف، الآية: 45. «ومن الزهد بالدنيا لابن الفجاءة وشعرة الزاهد في الحياة. يقول بن الفجاءة : أقول لها وقد طارت شعاعاً/ من الأبطال ويحك لن تراعي/ فإنك لو سألت بقاء يوم/ على الأجل الذي لك لم تطاعي/ فصبراً في مجال الموت صبراً/ فما نيل الخلود بمستطاع/ ولا ثوب البقاء بثوب عز/ فيطوى عن أخي الخنع اليراع/ سبيل الموت غاية كل حي/ فداعيه لأهل الأرض داعي/ ومن لا يعتبط يسأم ويهرم/ وتسلمه المنون إلى انقطاع/ وما للمرء خير في حياة/ إذا ما عد من سقط المتاع. مع أن امرءا لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم تطله غيثة رخاء إلا أهطلت عليه مزنة بلاء. وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر عليه جانب وأوبى، وإن أنت امرؤ من غضارتها ورفاهتها نعما أرهقته من نوائبها تبعا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف، غرارة غرور ما فيها، فإن ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينيه.* كاتب كويتي