... بسطام في إيران، وإليها ينتسب الصوفي الأشهر ابن يزيد البسطامي و«قندوس» من مدن طخارستان شمال أفغانستان، والكلمة مخففة أو محرفة من الكلمة القديمة «كهندر» وتعني القلعة القديمة، وهي مشهورة بصناعة القطن وزراعته، وإليها تنسب الثياب القندسية، التي ورد ذكرها في رحلة ابن حامد الغرناطي الرحالة الأندلسي، والمدينة الآن تقع تحت تحالف الشمال، يصل ابن بطوطة إلى مدينة «بغلان» هي من مدن طخارستان، والمسافة بين بغلان وقندوس أكثر من ثلاثين ميلا، وعندما وصلهما ابن بطوطة كانت آثار التدمير الذي أحدثه جنكيز خان لاتزال ماثلة، يقول ابن بطوطة ما نصه:«وهي قرى فيها مشايخ وصالحون، وبها البساتين والأنهار، فنزلنا بقندوس على نهر ماء به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر، يسمى بشير سياه، ومعنى ذلك الأسد الأسود، وأضافنا بها وإلى تلك الأرض، وهو من أهل الموصل وسكناه ببستان عظيم هنالك، وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوما لرعي الجمال والخيل.وبها مراعٍ طيبة وأعشاب كثيرة والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الأمير بزنظية، وقد قدمنا أن أحكام الترك فيمن سرق فرسا أن يعطي معه تسعة مثله، فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أولاده، فإن لم يكن له أولاد «ذبح ذبح الشاة»! والناس يتركون دوابهم مهملة دون راع، وكذلك فعلنا في هذه البلاد، وبعد أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها، ففقدنا منها ثلاثة أفراس، ولما كان بعض نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا خوفا على أنفسهم من الأحكام، وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين لما عسى أن يقع بالليل، ففقدنا الفرسين ذات ليلة، وسافرنا من هناك وبعد اثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا».ثم يصل ابن بطوطة إلى جبال «هندكوش»، وتعد بمثابة العمود الفقري لأفغانستان وهي التي كان يختبئ في كهوفها بن لادن، ويعني اسم هذه الجبال طبقا للمصادر القديمة «الأعلى من طيران العقاب»، وأعلى قممه سبعة آلاف متر، وقد اضطر ابن بطوطة إلى الإقامة في «بغلان» أكثر من أربعين يوما حتى يمكنه عبور هذه الجبال خشية الثلج، يقول ابن بطولة ما نصه:«وكان أيضا من أسباب إقامتنا خوف الثلج، فإن باثناء الطريق جبلا يقال له «هندكوش»، ومعناه قاتل الهنود، لأن العبيد والجواري الذين يؤتى بهم من الهند يموت هناك العديد منهم لشدة الثلج والبرد، وهو مسيرة يوم كامل، وأقمنا حتى تمكن دخول الحر، وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب، وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال وتطأ عليها لئلا تغرق في الثلج! ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأندر، وكانت هناك فيما تقدم مدينة عفي رسمها ونزلنا عنده وأكرمنا، وسافر معنا إلى أن صعدنا جبل هندكوش المذكور ووجدنا بهذا الجبل عين ماء حارة فغسلنا منها وجوها فتقشرت وتألمنا لذلك».مدينة «أندر» التي ذكرها ابن بطوطة هي «أندراب» مدينة صغيرة شمال هندكوش وهي النقطة الأولى في شمال «هندكوش» التي توقف عندها الإسكندر الأكبر عندما وصل إلى بلاد الأفغان، واصل ابن بطوطة رحلته:«ثم نزلنا بموضع يعرف ببخ هير، ومعنى ببخ خمسة، وهير الجبل، فمعناه خمسة جبال، وكانت هناك مدينة حسنة كثيرة العمارة على نهر عظيم أزرق كأنه بحر ينزل من جبال «بدخشان» وبهذه الجبال يوجد الياقوت الذي عرفه الناس بالبلخش، وخرب هذه البلاد تنكيز ملك التتر فلم تعمر بعد، وبهذه المدينة مزار الشيخ سعيد المكي، وهو معظم عندهم.