إذا كان الهدف من زيارة الملك خوان كارلوس لجيبي سبتة ومليلية رفع شعبية ملك إسبانيا داخل بلاده، يمكن عندئذ اعتبار أن الزيارة أدت غرضها ولو على حساب شعبية العاهل الإسباني في المغرب خصوصاً والعالم العربي عموماً حيث كان ينظر إليه من زاوية أنه رجل عصري وحكيم. ما فعله خوان كارلوس بتحديه المشاعر الوطنية لدى المغاربة، بغض النظر عن الفئة الاجتماعية التي ينتمون إليها، هو أنه أعاد التذكير بالوجه البشع لإسبانيا بعدما احتلت مكاناً مرموقاً بين الدول الأوروبية خصوصاً في ظل ملك مستنير.إلى ما قبل زيارته الأخيرة لسبتة ومليلية الجيبين الإسبانيين في الأراضي المغربية، شكل الملك خوان كارلوس مثالاً يحتذى به لرجل استطاع اعتماد الحوار للوصول إلى أهدافه على رأسها نقل إسبانيا إلى موقع الدولة الأوروبية الحديثة الساعية إلى معالجة مشاكلها الداخلية أولاً والتحول إلى لعب دور على صعيد تحسين العلاقات العربية - الأوروبية والعلاقات بين أوروبا المتوسطية ودول الشمال الأفريقي كالمغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. كان يفترض في ملك إسبانيا بدلاً من تحدي المغاربة السعي إلى طمأنتهم والبحث عن صيغة تضمن في المستقبل زوال الاستعمار الإسباني عن الجيبين، وذلك في إطار توفير حكم ذاتي لهما على طريقة ما حصل بين هونغ كونغ والصين. خرج البريطانيون من هونغ كونغ التي عادت إلى الصين مع وضع خاص بها. أكثر من ذلك أن التصرف الإسباني الأخير يحرم مدريد من ورقة مهمة في تعاطيها مع لندن في ما يخص مستقبل جبل طارق. ماذا تستطيع إسبانيا قوله بعد الآن؟ هل لا يزال وارداً دعوة بريطانيا إلى التفاوض في شأن مستقبل المستعمرة القائمة على الأراضي الإسبانية...أم أن الجواب البريطاني صار معروفاً سلفاً، وهو أن من يقيم مستعمرتين في الأراضي المغربية لا يحق له في أي شكل المطالبة بالبحث في مستقبل جبل طارق، حتى لو كان جلياً أنه جزء لا يتجزأ من أراضيه؟ولكن ما يبقى أهم من ذلك كله، سلسلة التصرفات الإسبانية مع المغرب في السنوات الأخيرة، والتي تنم عن رغبة في ممارسة سياسة عدائية ذات طابع فوقي، وكأن العلاقة بين البلدين هي بين دولة متفوقة لا تزال تعتبر نفسها إمبراطورية من جهة، ودولة من دول العالم الثالث من جهة أخرى. هنا نسيت إسبانيا أنها لم تعد إمبراطورية وأن المغرب ليس دولة متخلفة، بل إنه دولة نامية بكل معنى الكلمة. نسيت خصوصاً أن الحكمة التي أظهرها الملك محمد السادس لدى وقوع أحداث جزيرة ليلى المغربية في العام 2002 لم تكن ضعفاً بمقدار ما أنها دليل على وجود رغبة مغربية في التعاطي مع النزاعات بشكل حضاري بعيداً عن لغة السلاح. في صيف العام 2002 ، نفذ الإسبان إنزالاً في جزيرة ليلى التي لا تبعد أكثر من مئتي متر عن الأراضي المغربية. كانت حجتهم أن الجزيرة ليست مغربية. عندما لا تكون جزيرة على مرمى حجر من التراب المغربي غير مغربية فما عساها تكون؟ هل من معنى آخر للتصرفات الإسبانية سوى الرغبة في استفزاز المغرب وكأن عليه أن يدفع ثمناً ما للدولة المستعمرة في مقابل اضطرارها إلى الانسحاب من أراض محتلة. وبكلام أوضح هل تريد إسبانيا إفهام المغرب أن ملف الصحراء الغربية لم يطو بعد رغم انسحابها منها، ولذلك جاءت زيارة خوان كارلوس لسبتة ومليلية في ذكرى «المسيرة الخضراء» حين زحف المغاربة في اتجاه الصحراء الغربية واستعادوها بالوسائل السلمية؟ هل تريد إسبانيا إفهام المغرب أن ثمة ثمناً لعودة الصحراء إلى السيادة المغربية وأن سبتة ومليلية جزء من الثمن؟في مرحلة استعادة المغرب للصحراء، راهن الملك الراحل الحسن الثاني في مطلع السبعينات من القرن الماضي على المستقبل. راهن على خوان كارلوس من منطلق أنه سيخلف فرانكو عندما سيرحل عن هذا العالم وسيتولى ملك إسبانيا المستعيد للعرش تصفية الماضي الاستعماري لبلاده بدلاً من أن يكون أسيراً له. كان رهانه في محله. الآن يراهن الملك محمد السادس على المستقبل أيضاً. يراهن على أن لا مشكلة بين دولتين يمكن أن تبقى من دون حل. الحل الطبيعي لسبتة ومليلية يكون في البحث في مستقبل الجيبين في الوقت المناسب بعيداً عن أي نوع من التشنج والتحدي، وذلك في إطار اتفاق يضمن نوعاً من الحكم الذاتي لسكانهما بغض النظر عن جذورهم. المستقبل هو للحكم الذاتي الموسع في إطار السيادة المغربية. مثل هذه الصيغة تساهم في إيجاد حلول لمشاكل كثيرة بين البلدين كما تساهم في جعل إسبانيا تقبل حلولاً لا مفرّ من أن تقبلها يوماً من دون فقدان لماء الوجه. كذلك يمكن لمثل هذه الحلول مساعدة إسبانيا في استعادة جبل طارق بطريقة حضارية.في النهاية ان المغرب المزدهر والمستقر مصلحة إسبانية. توسيع ميناء طنجة في مصلحة الجميع بما في ذلك سبتة ومليلية اللتان ستستفيدان بدورهما من كل ما من شأنه إيجاد تقارب مغربي - إسباني وتعاون بين البلدين. الاستعمار لا مستقبل له. لا مستقبل سوى للدول التي لا عقد لديها، حتى لو كانت إمبراطوريات كبيرة في الماضي البعيد. متى تفهم إسبانيا هذه المعادلة لن تعود لديها مشكلة لا مع المغرب ولا مع غير المغرب... ولن يعود لديها رهان على استعادة الماضي الاستعماري!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن