| حوار هشام بن الشاوي |

أنيس الرافعي، قاص تسعيني يشتغل على جماليات التجريب، عضو اتحاد كتاب المغرب، عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب، عضو منظمة كتاب بلاحدود (ألمانيا)، عضو مؤسس سابقا لكل من جماعتي «الغاضبون الجدد» و«الكوليزيوم». ترجمت بعض قصصه الى الاسبانية والفرنسية والانكليزية والتركية. من أعماله: فضائح فوق كل الشبهات (1999).• أشياء تمر دون أن تحدث فعلا (2002)، السيد ريباخا (2004)، البرشمان (2006)، علبة الباندورا (2007)، ثقل الفراشة فوق سطح الجرس في ثلاث طبعات.وللاقتراب من تجربته السردية الخاصة والمتميزة، كان لنامع أنيس الرافعي هذا الحوار الذي نورد اليكم نصه:• يجنح أنيس الرافعي في كتاباته القصصية الى تقنيات عديدة أساسها الانزياح اللغوي. ما علاقتك كمبدع باللغة ؟- دعني أجيبك بأمثولة المسّاح، الذي ينقر بقدمه أديم الأرض ليميط النقاب عن الفرشاة المائية في الجوف. كذلك الكاتب كلّما نقر بوجدانه وخياله في صلب اللغة، اكتشف الأسلوب. لكن معضلة القاص التجريبي أنه مجبر، في كل مرة، وعلى الدوام، أن يكتب ضد اللغة وعلى نحو تقويضي للأسلوب الذي استغرق وقتا مديدا وبذل جهدا مضنيا لابتكاره وارساء جمالياته النوعية. أحدس، أنه ينبغي دائما أن نصحح اللغة باللغة حتى لا نسقط في قطن الأسلوب ونتعثر في طمأنينة المعيار. ان اللغة التي ننتج بها كتابا قصصيا ما، يجب أن تحمل في رحمها قواعد هدم هذه اللغة ذاتها وأن تشكل باستمرار خطرا جسيما عليها. وهكذا، يظل المشغل القصصي المفتوح نهبا للمغايرة والتجاوز والحذف واللايقين.• لكن... ألا ترى أن هذه اللغة التي تتحدث عنها بهذه المواصفات تحتاج الى قارئ خاص، ما يساهم في تعميق الفجوة بين الكاتب والمتلقي في زمن الأمية الثقافية؟- القارئ مفهوم ملتبس وشديد المخاتلة، لكنه موجود. قد لا تكون اللقيا معه في المناطق المكشوفة والمضاءة جيدا، لكن بالمقابل يمكن أن تلفيه في المناطق المعتمة والأكثر تواريا. العثور على «قارئ خاص» على حد تعبيرك، يبقى مطلبا عزيز المنال في ظل شروط التداول التي نعرفها، لكن النص السردي الحق، الصبور، المغامر، غير الانتهازي، هو الذي يستطيع أن يربي ذائقة جديدة لدى متلق مفترض. متلق قادم من المستقبل. متلق على استعداد كامل وغير مشروط للتخلي عن ماضيه وتراثه القرائي لاعتناق مفهوم جديد وغير كلاسيكي للأدب.• في تقديرك الشخصي ككاتب محدث له قناعات مختلفة، هل يمكن للكتابة الابداعية عامة، والقصة القصيرة تحديدا، أن تنجح في تغيير الواقع؟- تغيير الواقع، هذا وهم مزمن من الأوهام التي التصقت بوعي الكتاب خلال مرحلة تاريخية معينة سادت فيها الطوباوية والأحلام المشروعة في التغيير. غير أن واقع الحال، أظهر بما لايدع مجالا للريبة أن الواقع لا يتغير بالنوايا الحسنة للاستعارات والأخيلة. الواقع يتغير موضوعيا عندما تتغير الذهنيات والشروط الطبقية التي أفرزته. الأدب عليه أن يحفل فحسب بالأشياء الصغيرة، بالمهمل، بالمنسي، بالتافه، بالتفاصيل، باللاّمرئي، لأنه هو الذي يشكل الجوهر الحقيقي للكائن الانساني. الأدب ليس حمّال أدلوجة وليس شعارا طنانا وليس التزاما. الأدب لايغير العالم ولا المجتمع ولا السياسة ولا الأخلاق. الأدب يغير فقط صاحبه كي يصير انسانيا أكثر. التغيير ينطوي دائما على الخذلان، لكن الأدب لن يخذلك.• انتشرت أخيرا نواد ومقاه وصالونات وجماعات أدبية، هل خدمت الأدب أم أساءت اليه؟- بصراحة، لست مؤهلا لتقييم مبادرات ثقافية من هذا الطراز لأنني كنت في مرحلة ما طرفا متورطا فيها. لكن وبعد أن عفا الله عني منها، اذا أردت أن تعرف وجهة ظني من خلال ما خضته من تجارب سابقة، تبين لي أن الأدب لا يتطور تحت وطأة الوعي الجمعي، بل عندما يختار المرء - كما يقول الصديق الشاعر محمد الصابر - «الضفة الوحشية». الأدب فردي بامتياز وسيظل كذلك. سر وحدك تجد الطريق الملكي. سر وحيدا لكنك ستكون على الدوام غفيرا كمظاهرة.• هل تتنبأ بنجاح تجربتك الأخيرة في الكتاب الصوتي «ثقل الفرشة فوق سطح الجرس»؟ وكيف جاءت الفكرة؟- النجاح ليس رهينا بي شخصيا، بل هو مرتبط بقدرة «دار الحرف»، ناشر هذه التجربة، على الوصول الى الفئات التي تستهدفها. أقصد ذوي الحاجات الخاصة ممن ليست لهم القدرة على قراءة المكتوب. أما كيف جاءت فكرة «الكتاب القصصي المسموع»، فقد كان اقتراحا من الصديق أحمد المرادي، مدير دار التوحيدي، الذي قدم النسخة الورقية من المجموعة الى الأستاذ عبد الفتاح ديبون، ونفذها بألمعية شاهقة الشاعر حسن مرصو.• أنيس الرافعي والنقاد؟ تواقف أم صدام؟- أعتز وأفتخر بكل من كتب عن تجربتي سواء بشكل ايجابي أو بشكل سلبي، من داخل المغرب أو من خارجه. كما أني لست من الملحين على ضرورة الكتابة عن التجربة، لأنني أفهم أن لكل ناقد مشروعا خاصا، فان كان منجزي المتواضع يستجيب لهذا المشروع فذاك، وان لم يكن فله كامل الحق في أن يغض عنه الطرف. النقد ليس خدمة عمومية من حق الجميع أن يستفيد منها. النقد ورشة خاصة بصاحبها فحسب.

 أديب وناقد مغربي