لقد اشتقت إليك يا شهر الخير من قبل قدومك، واشتقت إليك فور رحليك، ما هذا السحر الذي تملكه لتشدني وتشدّ غيري نحوك كل عام. فإن جئت في الشتاء حملت معك دفء الإيمان وحرارة الشوق للطاعات، وإن جئت في الصيف حملت لنا نسمات من الجنة ورحمات من الرحمن. ففي أي زمان أو مكان حللت تحمل لنا في طياتك الخيرات والبركات ومضاعفة الحسنات.أشتاق إليك شوق المحبين وأحنّ إليك حنين المغتربين لأوطانهم وأحبتهم. أنت الوطن الذي نألفه ونعيش في كنفه شهرا كل عام. نذرف الدموع عند قدومك ونذرفها بعد رحيلك، نسعد بلقياك ونحزن لفراقك.ما أجمل أيامك ولياليك يا رمضان، نعيشك حلما يمر سريعا وينقضي سريعا. نضبط فيك ساعتنا وحياتنا اليومية على أوقات الصلاة والعبادات، نتناول الإفطار مع أذان المغرب وطعام السحور قبل صلاة الفجر، ونلتقي الأصدقاء بعد صلاتي العشاء والتراويح.فأنت شهرٌ كله خير، تُقبل علينا وقد غمرتنا السيئات وطفحت القلوب بالآثام إلا من رحم ربي من عباده الصالحين، فتُعيننا على التخلص منها. فكم من مسلمي اليوم قد طعن في عرض هذا، وشتم ذاك، واستغاب أخاه فيما ليس فيه. وكم من مُقصّر في حق ربه ودينه ونفسه، فالبعض لا يعرف الصلاة إلا في رمضان ولا يتذكر الصدقات إلا فيه. السنةُ إثنا عشر شهرا نفعل الخير في شهر واحد منها ونرتكب الحماقات في أحد عشر شهرا. ففيك تُهذَّب النفوس، وتُكبح الشهوات، وتُصفّد مردة الشياطين، وتفتح أبواب السماء للدعوات. أنت شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن، شهر صلة الأرحام والتواصل مع الأحبة والخلّان.فيك تَعمُر مساجد الرحمن وتخلو النفوس من الأحقاد وتُغسل الصدور مما علق بها من آفات وأدران... وما أكثرها. يصطف المصلون في صفوف متتاليات، تغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة وتُفتح لهم أبواب السماوات، يخشعون في صلاتهم ويطرقون السمع لتلاوة القرآن ويتدبرون آياته. يقول الله سبحانه وتعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) «البقرة:185». لقد رسمت لنا هذه الآية الكريمة طريق الهداية والشكر، ولذلك يحرص المسلم فيك على قراءة القرآن وتلاوته وختمه مرة تلو أخرى طمعا في الأجر المضاعف في شهر العطايا والمنح. فللقرآن فيك طعم لا مثيل له والذي وصفه فأحسن وصفه الوليد بن المغيرة حين قال: «والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه يعلو ويحطم ما تحته».أنت شهرُ لم الشمل وجمع الأسرة، فيك يلتقي الأحبة، يمسحون بضحكاتهم آلام التجارب وفُرقة الماضي، وتزول الأحقاد والضغائن من القلوب فتصفى القلوب وتتقارب، وتعلو النفوس عن الصغائر وتتحابب.ما بالك يا شهر المحبة تغيب فتطيل الغياب والفراق، وتهجرنا للشياطين من الإنس والجان. أما شعرت بلوعتنا أم أنك قد فارقتنا لتجدد معنا اللقاء. ما بالك تحضر كالغريب وتفارق كالغريب. لقد اشتقت لذكرياتي فيك مع من أحب، مع أمي وأبي، أختي وأخي، زوجتي وولدي. أليس في هذا كله ما يدفعك لتُسرّع اللقاء وتختصر الأيام لساعات. لم أكن في عجلة من أمري كما أنا في انتظارك اليوم، أسرِع وشُدّ الخطى، وأقبِل ولا تُدبِر، فأنا في لهفة لختم القرآن وقيام الليل في لياليك المباركة، وسماع خطب الوعظ والإرشاد من أئمة المساجد ورجال الدين الأفاضل.ويا سبحان الله، لك من البركة ما ليس لغيرك من الشهور، ووعد الله فيك الصائمين والقائمين جنان الخلد والسرور. وبالرغم مما فيك من مشقة وعناء ولكنها كشوك الورد نحتملها لجماله وشذاه الأخاذ.أكان صيفا حللت أم شتاء، طويلا كنت أم قصيرا، مُشمسة سماؤك أم تحجبها الغيوم أحبك وأحب كل من يحبك، أحب فيك القطايف ولقمة القاضي (اللقيمات)، وأحب الهريس والجريش، والتمر والسلطات، فلا طعم لها من دونك ولا رائحة. أحب فيك ضجيج الأطفال وصخبهم في المساجد وفي الطرقات، وفوانيسهم التي يحملونها ويتباهون فيها في ما بينهم. وأما ليالي القرقيعان فحدث عنها ولا حرج، ففيها البهجة والسرور حين يطرق الأطفال الأبواب، هائمين في الطرقات وبين المنازل، مرتدين ملابس القرقيعان التقليدية المميزة ليجمعوا ما لذ وطاب من الحلويات والمكسرات، ومرددين أهازيجه بأصواتهم البريئة قائلين:قرقيعان وقرقيعانبيت قصير ورميضانعادت عليكم صيامكل سنة وكل عامولا يسعني إلا أن أقول لك:أحبك حُبّا لا مِراءفيه ولا نفاقوحسبي أن أراك مرةفتشتعل الأشواقفأهلا وسهلا يا رمضان، حللت أهلا ووطئت سهلا، سنستقبلك كضيف عزيز، ونودّعك كحبيب مُفارق، وعلى أمل لقائك كل عام لنجدد الحب ونتبادل الأشواق.z_alweher@hotmail.com@zoodiac100