فجأة ودون سابق إنذار أُوقفت جميع الرخص التي تصدرها وزارة التجارة للاستشارات النفسية والاجتماعية وبأمر من وزارة الصحة، وذلك دون دراسة وضع كل مركز أو عيادة نفسية واجتماعية على حدة، وهو أمر له تداعياته الخطيرة على من يعانون من مشكلات نفسية أو اجتماعية ولا يحتاجون إلى علاج دوائي نفسي، كما أن رخص الاستشارات النفسية التي تصدرها وزارة التجارة منصوص فيها بين قوسين على عدم تقديم وصفات طبية.والجميع يعلم أن هناك مشكلات لا تحتاج إلى طبيب نفسي ولكنها تحتاج فقط إلى اختصاصي نفسي أو اجتماعي أو لكليهما معاً، فالعلاج الدوائي الذي يقدمه الطبيب يتطلب أن يكون هناك تغيّر أو خلل في كيمياء الدماغ أو المخ، ويعمل الدواء على معادلة هذا الخلل الكيميائي، مثل الاكتئاب الشديد أو المزمن الذي يستمر لفترات طويلة ويسمى أحياناً «انتحاري»، مثل الوسواس القهري الوراثي أو غير الناتج عن القلق المستمر الذي لم يتم التعامل معه مبكراً، ومثل مرض وساوس الشك الشديد أو الريبة التي تسمى «برانويا» أو بعض مشكلات الفصام المتقدمة التي تصل إلى هلوسات سمعية وبصرية شديدة، والتي لا يمكن علاجها إلا بواسطة الدواء الكيميائي، بينما هناك بعض حالات الفصام البسيطة التي يمكن علاجها بواسطة الاختصاصي النفسي.وعموماً فإن أغلب «الأمراض» النفسية يمكن أن يتم التعامل معها بالدواء وبالعلاج السلوكي معاً، هذا ناهيك عن المشكلات الأسرية والاجتماعية التي بكل تأكيد لا تحتاج إلى علاج دوائي والذي يتسبب بعضها في كثير من الأحيان بآثار جانبية، بينما بعض المشكلات النفسية بسيطة وتحتاج فقط لمساعدة نفسية من جانب اختصاصي نفسي وليس من طبيب نفسي مثل الضغوط النفسية وحالات «الفوبيا» أو المخاوف المحددة والقلق وحالات الهلع التي تسمى «بانك أتّاك» panic attack، وغيرها الكثير من قائمة طويلة للمشكلات النفسية وليس الأمراض النفسية، وحتى الإدمان يحتاج أحياناً إلى العلاجين الدوائي والسلوكي غير الدوائي.وعلى سبيل المثال فإن أبسط المشكلات النفسية «وليس الأمراض» مثل الضغوط النفسية لها أعراض بدنية وسلوكية ونفسية، منها الاكتئاب المصاحب له فالاكتئاب هنا هو عَرَض وليس مرض، أي لا يحتاج إلى علاج دوائي بل الاتجاه إلى علاجه بواسطة اختصاصي نفسي، الذي من مهماته تخصيص ساعة كاملة للاستماع لما يعانيه صاحب المشكلة ثم يوجهه ويعالجه، كما أن مشكلة الضغوط النفسية يصاب بها كل البشر بدون استثناء، لأننا جميعاً نملك جهازاً عصبياً نحمّل عليه استجاباتنا لما يحدث خارجنا أو داخلنا، ويجب التعامل معه قبل أن يتطور إلى أمور أكثر صعوبة، ويلعب تاريخ الإنسان وخبراته الطفولية أحياناً دوراً في نمو مثل هذه المشكلات، ما يعني فهم هذه الأبعاد التاريخية للذهاب إلى أصل المشكلة وليس إلى نتائجها الآنية.نحن مع تنظيم ممارسة مهنة أو حرفة الاستشارات النفسية والاجتماعية، بعد أن أصبح الجميع حتى من غير ذوي الاختصاص يمارسها وهو ما يشكل خطورة في التعامل مع النفس البشرية، وقد كتبت شخصياً عدداً كبيراً من المقالات التي تحذر من ذلك، لكن هذا لا يتطلب إيقاف «كل» رخص الاستشارات النفسية دون دراسة أوضاع كل مكتب أو عيادة أو مركز على حدة، بينما تترك بعض معاهد التدريب المهني التي تمارس العلاج النفسي دون خبرة وباستغلال جهل الناس تعمل بحرية، بل هذا قد يعني إلغاء العلاج «العلمي» غير الدوائي، كما يجعل من دراسة علم النفس وعلم الخدمة الاجتماعية وهي فرع جديد أستحدث قبل سنوات في علم النفس دون جدوى، بل يعني إغلاق كليات وأقسام هذه الدراسات، علماً أن الاختصاصي في هذين العلمين يتلقى تدريباً عملياً مصاحباً للتعليم النظري لمدة ثلاث سنوات.ونظن ان قرار وزارتي التجارة والصحة بإيقاف الرخص التجارية لكل المكاتب والعيادات النفسية قرار غير صائب وغير مدروس، بل يعود بالوعي النفسي في الكويت للخلف ولا يجعلها متقدمة فيه، علماً بأن وزارة التجارة لا تمنح هذه الرخص إلا بعد تشكيل لجنة مختصة تدرس الشهادات العلمية وسنوات الخبرة للمتقدم لها.وليد الرجيبosbohatw@gmail.com