كتبنا من قبل أننا نؤيد إسقاط القروض عن المواطنين، ولا سيَّما في ظل الخطايا، لا الأخطاء، التي «ارتكبها» البنك المركزي ضد الشعب في الأعوام القليلة الماضية، والتي أدَّت إلى تضخم فاحش في أرقام فوائد القروض لتصل الفوائد، وحدها، وفي كثير من الحالات، إلى أكثر من أصل المبلغ المقترَض، مع أن العقد الأساسي الموقع بين البنك والمواطن في كثير من تلك الحالات لم يكن ينص على تضخم الفوائد على القروض إلى تلك الأرقام الفلكية القاتلة!وقد شهد دور الانعقاد الماضي تصويتاً برفض قانون إسقاط الديون، بالصيغة المبالغ فيها التي قدمها النائب الدكتور بورمية، وذلك من قبل المجلس نفسه الذي رفض المقترح وقتئذ، حيث تم تضمين المقترح المقدم في العام الماضي إسقاط أنواع الديون كلها، بما فيها قرض بنك التسليف والادخار للمواطنين، والذي هو قرض بلا فوائد أساساً، ما أدى إلى معارضة واسعة لذلك المقترح بالذات من قبل أعداد كبيرة من النواب من سائر شرائح المجتمع، ومن غالبية الاتجاهات السياسية العاملة في الساحة، وليس من الحكومة وحدها.وبعيداً عن شكل مقترح الدكتور بورمية الذي تم التصويت عليه بالرفض في العام الماضي، نجد أن «مبدأ» إسقاط القروض هو مبدأ أوجدته في الكويت شريحة التجار، وليس غيرهم، وذلك في إطار حلحلة مشكلة «المديونيات الصعبة» التي قامت الحكومة بموجبها بـ «مسامحة» كبار تجار البلد فأسقطت عنهم تسعة مليارات دينار كويتي «فقط لا غير»! ووقتها كان الأمر «حلالاً بلالاً»، حسب رأي النواب الممثلين للتجار حينئذ! ولم تكن تلك المليارات الحكومية تمثل أي إضاعة لأموال الشعب العامة!القانون المطروح حالياً، والذي سيناقشه المجلس الحالي قريباً فيما نقرأ في الصحافة المحلية، يهدف إلى «إسقاط الفوائد» فقط مع التزام المواطن بدفع قيمة قرضه، مما يُعَد أخف بكثير من النتائج المدمرة لقانون المديونيات الصعبة سيئ الصيت، والذي وافقت عليه الحكومة وأصحاب الدماء «الديلوكس» الذين يعارضون بشدة، هذه الأيام، أي أمر يفيد المواطن البسيط، لأنه «مجرد» مواطن بسيط!الصيغة الجديدة للقانون، والتي لا تنص على أكثر من إسقاط الفوائد المترتبة على القروض، تلك الفوائد التي نتجت عن أخطاء الحكومة ممثلة بالبنك المركزي، هذه الصيغة الجديدة للقانون «ينبغي» أن تكون مقنعة لأعداد أكبر من النواب، والكتل البرلمانية الكاملة، لتأييدها، فهذه الصيغة لا تتحمل معها الدولة أي أعباء، فالدولة تدفع «كاش» للبنوك التقليدية والإسلامية ولشركات الاستثمار التقليدية والإسلامية، ثم تسترد الدولة أصل الدين من المواطن على أقساط من غير فوائد.وهذه الفكرة لا تتحمل فيها الدولة فلساً واحداً، من جانب، وفيها راحة كبيرة للمواطن، من جانب مقابل، ولكننا «نتمنى» أن تكون «راحة» المواطن البسيط ذي الدم الأحمر العادي، لا تشكل أي «إزعاج» للذين يمثلون أصحاب الدماء الزرقاء الديلوكس في مجلس الأمة!أما الحكومة، فنتمنى ألا «تسعى» إلى صبغ نفسها بصبغة «المعادي لطموحات البسطاء» من المواطنين، لذلك نتمنى أن تقبل بالحلول الوسط، فإن لم يكن مقبولاً عندها إسقاط القروض بالكامل، فليكن مرفوضاً عندها أيضاً تجاهل هذه المشكلة الحقيقية الموجودة وجوداً فعلياً، وبسبب أخطائها هي، لذلك، نتمنى أن تتجه الأمور، جدياً، ناحية «إسقاط الفوائد»، كحل وسط، وكحل غير مكلف مالياً، حل يعالج كل جوانب قصور المقترح السابق... فإلى أين ستتجه الأمور؟ هل تستكثر الحكومة على نفسها التخفيف عن الكويتيين البسطاء اليوم... مثلما «خففت» عن كبار التجار البارحة؟
د. جلال محمد آل رشيد
كاتب وأكاديمي كويتيdr_j_alrasheid@hotmail.com