رن جرس هاتفي ذات صباح، وكان على الجانب الآخر صديق لي أعرفه منذ أيام الدراسة... (فارس)، وبعد الترحيب الحار واسترجاع الذكريات، قال لي: هل لديك طبلة؟- طبلة! ماذا تريد بالطبلة، فأنا لست بفنان ولا عازف موسيقي، ولا أعرف أحدا يمتهن هذه المهنة من الدائرة المحيطة بي.- حسنا؛ سأحضر لك اليوم ونذهب لمتجر يبيع الطبول لنشتري منه، فأنا أعرف أين يقع المتجر.زادت دهشتي وحيرتي وراودتني نفسي أن أسأله لماذا يا صديقي العزيز.. لماذا الطبلة؟ ولكني آثرت الانتظار للمساء، وسأعرف بالتأكيد السر وراء ذلك.وعند حلول المساء رافقته بسيارته الفارهة جدا والتي لم أكن أتوقع أن يقودها أبدا في بلد يعاني مواطنوه من أزمة إقتصادية خانقة، وكان يبدو على هندامه الثراء، وسمت الأثرياء.لم أسأله طوال الطريق عن الطبلة، وأرجأت ذلك حتى النهاية، ولكن الفضول كان يزداد اشتعالا في داخلي وبخاصة وهو يحدثني عن نجاحاته في التجارة والسياسة، إلى أن وصلنا للمتجر، وعندها أسرع البائع مهرولا ومرحِّبا بصديقي وبحرارة تدل على أنه من رواد المتجر الدائمين!!طلب فارس منه 51 طبلة، ودفع ثمنها عدّا ونقدا وفوقها البقشيش السخي، وعدنا للسيارة وقد ظهر على وجه صديقي سعادة لم أفهمها.وهنا كان لا بد من عدم التسويف والإطالة، فسألته:- لا بد أن أعرف السر وراء كل هذا يا فارس؟- لا بأس سأطلعك على ما لم تحط به خبرا وعلما، هذه الطبول سنستخدمها في حفل تنصيب أحد أصدقائي رئيسا لحزب الأمل والذي تبوء منصبه منذ ثلاثة أيام. ولا بد أن أكون أحد الذين يشجعون ويطبلون له تعبيرا عن سعادتنا وفرحتنا البالغة.- ومن هو صديقك هذا؟- إنه صديق طفولتنا، ألا تذكره؟ سيف الدين أورانوس.- ابن أورانوس، جارنا القديم، الشقي الأبدي، صانع المشاكل، الفاشل دائما، خريج السجون والمعتقلات، الذي ضرب أباه يوما وكاد يقتله لولا لطف الله.. هل هو نفس الشخص؟- نعم؛ ولا تُشغل نفسك في ماضيه، فلقد تغير الرجل، وتحسنت أخلاقه، واشتغل في السياسة، وصار من مريديها، وسبحان مغير النفوس والقلوب!- ممكن... سبحان الله!وغادرنا وتوجهنا نحو موقع الإحتفال، وشاهدت هناك أمرا عجبا. فعند وصولنا تجمع حول فارس مجموعة من الخلق أقل ما يقال عنهم هذه الأيام الشبيحة أو البلطجية أو الزعران، ولكن... لماذا؟قام صديقي المحترم بإخراج النقود وتوزيع الحصص عليهم وكأنه أجرٌ لعملٍ ما، واندفعوا نحو السيارة وكلٌ منهم تناول طبلة، وشكلوا بعدها عدة صفوف (وكأنهم مدربون على ذلك واعتادوه منذ زمن). وانطلقوا مرددين الأناشيد والأهازيج في فضائل أورانوس وانجازاته:سللنا السيوف من الأغماد عاليةً بصوتك يا ولد الأجاويدتجمع الناس من حولهم وبعضهم مندهشٌ، والبعض الآخر مشارك بعفوية ساذجة، كان منظرا لا يُنسى ولا تخطئه عين المراقب؛ بأن ما يتم هو مسرحية كاملة العناصر من أجل حشد الجماهير دعما لرجل أقل ما يقال عنه (نصاب سابقا)، ولكن ما رأيته الآن هو النصب ولكن على مستوى أعلى. إنه احتيال على الأمة وعلى مستقبل الشعب ومصيره.وفجأة وبدون مقدمات إذا بفارس يقول:- هيا بنا، وتناول طبلتك؛ فصديقنا بحاجة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.- قد يكون هو بحاجتك أنت وليس لي، ولا أعتقد أني سأشارك في هذا المهرجان الفلكلوري المضحك، فالطبول كالأواني الفارغة؛ تصدر أصواتا عالية تصم الآذان وهي خاوية، ولا أظن صديقنا السابق قد اختلف عما عهدته عليه منذ سنين طويلة.- يا رجل أتعني أنك لن تشارك؟ أم أني لم أستوعب كلامك المستورد من الثقافة الغربية التي درست في جامعاتها، ونهلت من قيمها الغريبة عن مجتمعنا.- نعم وأرجو أن تعذرني فأنا لا أشارك في احتفالية تقوم على خداع الرأي العام وتضليله، ولست من المطبلين الذين دفعت لهم أجرا سخيا منذ برهة.- ما عهدتك هكذا؛ لقد تغيرت كثيرا! ولكني من باب احترام الرأي سأدعك تقول ما تريد، وإلا فإني لا أسمح لأي كان أن يمس سمعة صديقي هذا بكلمة واحدة، فهو من الأشراف الذين سيدفعون بمسيرة التنمية إلى الأمام، وسيكون له السبق بحل مشكلة البطالة وتردّي العناية الصحية والتعليم.- أشكر لك تفضلك بإعطائي مساحة من الحرية، وأتمنى أن أراك لاحقا، وقد حان موعد مغادرتي؛ فلدي الكثير من الأعمال المهمة.. إلى اللقاء.قررت وأنا في طريقي بعد هذه التجربة العجيبة والفضول يغمرني أن أراقب الحدث متواريا عن الأنظار حتى أرى المسرحية كاملة إلى أن تُسدل الستارة.اتخذت زاوية غير بعيدة في مكان لا يراني فيه فارس، واستمعت لخطاب صديقنا المشترك الذي كان مُذهِلا في الخَطابة، وتحريف الحقائق. وبعد أن انفض اللقاء توجه فارس نحو سيف الدين وهنأه بحرارة. وشاهدت ما كان متوقعا، فلقد دس سيف الدين شيكا في جيب فارس معلنا انتهاء وصْلته الفنية.وقبل عودتي للبيت قررت أن أتوجه لمتجر الطبول مرة أخرى لشراء طبلة واحدة؛ ودفعت ثمنها وتوجهت نحو منزلي.وهناك كان أولادي يراقبونني بنظرات الشك والريبة، ليبادر أصغرهم سائلا عن سر احضاري للطبلة، فأجبت:- لنشكل فريقا من المطبلين فنفرح ونمرح؛ وذلك في دورة تدريبية أولية تُعينكم مستقبلا على تحقيق طموحاتكم وأهدافكم، وكذلك ندفع فيها والدتكم لتعد لنا ما لذ وطاب من الطعام، فقد يصيبنا ما أصاب فارس من الخير العميم!z_alweher@hotmail.comTwitter: @zoodiac100