سوق المباركية... الاطلالة الجميلة لعبق التاريخ تفسدها اليوم رائحة المكان والاهمال.هكذا الصورة التراثية البهية،تبدو جريحة وسط فوضى المهملات،والسلال الموزعة هنا وهناك بلا تنظيم وترتيب،تاركة حولها مخلفات البشر والحجر...وعاصفة كريهة تزكم الانوف.سوق المباركية يطل اليوم في عيون محبيه شاحبا،فتضيع النظرات بين تفاصيل خطوط الزمن التي تركت فيه أثرها باقيا على تلك الملامح المرهقة والحالة المزرية التي وصل لها السوق بفعل انبعاث الروائح الكريهة والمزعجة وسط انتشار المهملات في أرجائه المختلفة.و يبدو واضحا أن ستائر النسيان أسدلت منذ زمن ليس بالقصير على المباركية تاركة السوق وحده يحمل بإرثه التاريخي الكبير مصير بقائه،في ظل إهمال أو عدم رغبة بأي أعمال تجديد ترفع من خلالها كل المظاهر السيئة التي باتت تشكل عاملا منفرا لرواده الذين يجدون فيه متنفسا ومعلما تراثيا جميلا يسترجعون وقتا مضى بكل ما كان يحمل من ذكريات معتقة في نفوس رواده ومريديه.تاريخ طويل وإرث كبير تضعه أروقة وزاويا سوق المباركية أمام زواره من الكويت وخارجها ككتاب مفتوح يحكي قصصا وروايات معتقة بعبق الماضي الجميل،يقرأون في مكوناته وتصميميه التراثي حكايات الحب والشقاء والبناء وحقبة من تاريخ الكويت الناصع.وقت طويل مضى على اعمال التطوير التي حظي بها إلا أن الروائح الكريهة التي تغلف أجواء المكان مازالت باقية محيلة فكرة التنزه بين أروقة وبسطات المباركية أو الاستمتاع بتناول وجبة غنية في أحد مطاعمه المنتشرة تجربة يصعب على المرء أن يتخيل تكرارها.وللإطلاع على أحوال السوق ورصد آراء زبائنه التقت «الراي» عددا من المواطنين والسياح الخليجيين الذين رأى معظمهم أن «المشكلة الوحيدة التي يعاني منها سوق المباركية هو انبعاث الروائح الكريهة في بعض الاماكن منه دون غيرها» معللين ذلك «بقدم شبكة الصرف في المنطقة وقلة المرافق العامة بها مقارنة بالكم الهائل من زوار ورواد السوق، الامر الذي يتطلب الإسراع في تجديد الشبكة وانشاء مرافق عامة اضافية لخدمة مرتادي السوق».وأشاروا إلى أن «حاويات القمامة القريبة من محطة تفريغ وتنزيل الأسماك من الشاحنات والبرادات تمثل سببا رئيسيا في انبعاث الروائح،حيث تقوم تلك السيارات بإفراغ الثلج الذي حفظت به الأسماك في الأرض ورمي التالف منها في الحاويات ما يتسبب في انبعاث روائح لا يمكن تحملها،» لافتين إلى «وجود نوع من التقصير في عملية تنظيف الأرضيات من الأوساخ التي تحتاج إلى عملية غسيل يومي لإزالة الاوساخ وتنظيفها وتلميعها».ويقول البائع عباس عبدالرحيم ان «السوق بحاجة إلى وضع أبواب تحميه من الغبار الذي يشكل مشكلة كبيرة لكل من يقصده خصوصا خلال فترة الصيف باعتباره يمثل وجهة للكثير من المواطنين والمقيمين الذين يقصدونه للتبضع،وفي نفس الوقت للتنزه في ممراته وزواياه التي تحمل ذكريات جميلة للكثيرين منهم خصوصا كبار السن منهم».ويشير عبدالرحيم كذلك إلى حاجة السوق لوضع وحدات تكييف تساهم في تلطيف أجوائه التي تتحول إلى « أفران « حسب تصويره لشدة الحرارة التي تمنع الكثير من الاستمتاع أثناء التنقل بين محاله المختلفة»، فيما اعتبر ان السوق متكامل من ناحية الخدمات التي يقدمها القائمون عليه وحرصهم على نظافته بشكل مستمر ما يجعله وجهة مميزة لكل من يرغب في قضاء وقت عائلي جميل بعيدا عن التسوق في المجمعات الحديثة المنتشرة في مختلف المناطق».ويرى فهد محمد العيسى أحد الزوار السعوديين الذين قدموا لقضاء إجازتهم مستغلين الأعياد الوطنية للاستمتاع في الاحتفالات والفعاليات السياحية والترويحية التي تقام في كثير من الاماكن في الدولة ان «المكان جميل وكل مابه مناسب لمختلف الأذواق والجنسيات،وأجمل مافيه هي البساطة التي احتفظ بها المكان وإن كانت تحيط به المباني الشاهقة من كل اتجاه إلا أن النسق الذي بني به السوق وطابعه التراثي يبعث في نفوس زواره الطمأنينة والأريحية التي قد لا يجدها الكثيرون في اماكن أخرى عديدة».ويضيف : «المكان مميز ومتكامل ويشكل لنا مكانا أساسيا ضمن جولاتنا السياحية في الكويت كلما قدمنا إليها حيث ان زيارة سوق المباركية بما يحمله من بساطة وإرث تاريخي يجعل كل من يزوره يقضي وقتا ممتعا ويتعامل به المرء على سجيته مع الآخرين وكأن المكان يشعرك بأن كل من به هم أسرة واحدة، إلا أن النقطة السلبية الوحيدة التي شعرت بها خلال تجوالي في السوق هو وجود بعض الروائح غير المناسبة في أماكن معينة منه والتي تحتاج إلى معرفة مصدرها وازالتها وغير ذلك كل ما في السوق جميل ومناسب».من جانبه، يقول محمد يوسف أن» السوق يحتاج من وقت لآخر إلى إضافة لمسات جمالية جديدة كنوع من التجديد والتغيير دون التأثير على شكله ومضمونه التراثي ليكون جاذبا للزوار الذين اعتادوا على كل ما يحمله السوق من تفاصيل كما يجب الإلفات إلى نقطة مهمة يفتقدها السوق وهي اللوحات الإرشادية التي تبين المسميات القديمة وتحافظ عليها من الإندثار ».ويبين يوسف أهمية تلك اللوحات كونها تضع ملامحا محددة لكل جزء منه وتحفظ له خصوصيته التي يجب أن يكون عليها،حيث أن الغالب من زواره يطلقون مسمى سوق المباركية على كل ركن وزاوية به في حين ان الأمر غير ذلك إطلاقا فالبعض يسير في سوق المقاصيص أو سوق السلاح وهو يعتقد أنه في سوق المباركية لذلك يجب أن توضع لوحات إرشادية تحافظ على تلك المسميات التاريخية وتبين للزوار سواء من خارج الكويت أو المواطنين الشباب الذين قد لا يعرفون تلك الأسواق التاريخية ومسمياتها».ويؤكد أن وضع الخدمات في السوق جيدة والنظافة واضحة على جميع مرافقه والروائح التي تعم المكان هي عنوان كل جزء منه وعلامة إرشادية لما يباع به سواء كانت «المسمكة» أو «العطاريين» أو محال البخور والعود».ويضيف :«الامر الذي يحتاج إلى وقفة من القائمين على السوق هو وجود ساحات فضاء كثيرة يمكن استغلالها بشكل أفضل من تركها بهذا الشكل كجعلها بسطات لبعض الشباب في أيام العطل ونهاية الاسبوع لعرض منتجاتهم بما يعود على الشباب بالمنفعة ويساهم كذلك في إستثمار تلك الساحات بشكل أفضل من تركها دون أية فائدة منها».أما المواطن السعودي فيصل السلمي فيؤكد أن «السوق آكثر من رائع بتصميمه التراثي الجميل وبساطته التي تشعر الزائر بأن المكان مألوف لديه، وتشعره كذلك براحة أكبر من أي مكان آخر لا سيما وأن جميع الخدمات متوافرة فالمساجد كثيره وقريبة من السوق والخدمات والمرافق العامة جيدة».لكن السلمي يلاحظ أن «هناك رائحة مزعجة تزكم انوف رواد السوق عند مدخله من ناحية المطاعم وهو أمر أعتقد أن القائمين على السوق قادرين على تداركه ومعالجته بشكل سريع خاصة وأن الإهتمام الذي شعرنا به من ناحية النظام والنظافة يؤكد قدرتهم على ذلك».ويرى عادل ناصر العنزي أن «السوق يحتاج تكثيف أعمال الصيانة والترميم لمرافقه بشكل عام وإلى الأرضيات بشكل خاص خصوصا وان حالتها قديمة والاوساخ بادية عليها بوضوح وبالأخص في المنطقة التي تكون بها المطاعم والمقاهي «مشددا على ضرورة متابعة حاويات القمامة بشكل مستمر حيث أن غالبية ما يرمى بها من مخلفات هي بقايا اللحوم والاسماك وغيرها من مخلفات المطاعم التي تتعفن بشكل سريع وتنبعث منها روائح كريهة ومزعجة مما يتطلب تكثيف عملية تفريغ تلك الحاويات ومتابعاتها بشكل مستمر.أما عبدالله الحمود فيقول : «بحكم معرفتي التامة لكل تفاصيل سوق المباركية نتيجة عشقي للمكان وزيارتي المستمرة والدائمة له والتي لا تقل عن ثلاثة أيام في الأسبوع أستطيع أن أحدد مشكلة انبعاث الروائح الكريهة التي تتركز في بعض الأماكن دون غيرها اذ انها تكمن في الصرف الصحي لمنطقة السوق وعدد المرافق العامة بها مقارنة بحجم عدد زوار ومرتادي السوق ما يشكل ضغطا كبيرا على تلك الخدمات الامر الذي يتطلب معالجة هذه المشكلة بضرورة الاسراع في انشاء حمامات عامة اضافية وتجديد شبكة الصرف في المنطقة بما يتناسب والكثافة البشرية التي تشغل المكان بشكل يومي».
محليات
زواره معجبون بلمساته التراثية...لكن «الروائح الكريهة تزكم الأنوف»
«المباركية»...عبق التاريخ يفسده الفوضى والإهمال
10:28 م