ما الذي جعل بربيع العرب أن ينحدر بهم اكثر بمستنقع الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع أنها ثورات ضد الظلم والاستبداد وضد انظمة قمعية بعكس الثورات الاخرى؟الثورات الكثيرة التي مرت في أوروبا قبل مئات الاعوام وحتى التي جرت في العصر القريب كالثورة الايرانية، كلها أفرزت عن انظمة حكم ومجتمعات جديدة اختلفت كليا عما قبل مرحلة التغيير. جميع هذه الثورات أفرزت عن مجتمعات تحمل فكرا جديدا يناهض انظمة الحكم الدكتاتورية وولدت انظمة حكم جديدة تحمل افكار ثوراتها. لماذا لم يحصل هذا هنا في المنطقة العربية؟ لم يحصل لا عند الدول التي ثارت ولا تلك العربية التي ظلت مترقبة وبدت متأثرة؟يتميز العرب بأنهم يعشقون الفكر العشائري والقبلي ويعدونه من المركبات الجينية والوراثية في افكارهم ومعتقداتهم. سواءً مرت ونجحت الثورة أم لم تمر، يظل العربي يتمسك بالموروث العشائري ويكن الولاء لاهل قبيلته بغض النظر عن مفاهيم الظلم والحق والعدالة، وبغض النظر عن الفكر التنويري والحداثي إن أردت المعنى السياسي أو الثوري للمسألة. فهذه العقيدة العشائرية كانت قبل الاسلام، وظلت مع العصر الذهبي للاسلام، وأعيدت من جديد واحيتها الدولة الاموية وظلت مترسخة حتى يومنا هذا. هذه العقلية الجاهلية ظل العرب يتمسكون بها ويتداولونها على جميع مراتبهم، فحتى العامة من الناس يعتقدون بها ويتمسكون بها كواحدة من المقدسات التراثية.ما حصل أن شيئا جديدا ضرب هذا الفكر العشائري المتجمد في القرن العشرين وهو التقدم التكنولوجي. ثورة الاتصالات والتكنولوجيا جعلت العرب يغرقون في تناقض فكري واضح، تناقض بين ولائهم للعشيرة والانقياد الاعمى للقبيلة، وبين القيم (غير المحايدة والمعاكسة تماما لهم) التي تحملها تلك التكنولوجيا المعقدة الواصلة حديثا من الغرب. فالانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ليست وسائل تكنولوجية محايدة، بل على العكس تماما وسائل تقنية معقدة تحمل في نفسها قيم وافكار من ابتكرها وطوّرها. اهم ما فيها قيمة التحرر من العبودية والطاعة العمياء وشجاعة ابداء الرأي وقسوة كشف الاسرار وعنف الانقلاب على كل ما هو رتيب وثابت. هذه الديناميكية والانسيابية الفكرية جعلت الفرد العربي يتضارب مع نفسه ليعيش حالة انفصام في الشخصية بشكل لم يسبق له مثيل. فمن جانب كانت السند والظهر وفتحت له آفاقا واسعة لمقاومة الانظمة القمعية، الا انها أضعفته بنفس الدرجة كونها ضيّقت عليه آفاق الطاعة العمياء للقبيلة فأصبحت آراء الغير والمنافسين لأميرها تصل الى مسامعه وتتمترس امامه من دون خوف او وجل.هذه الحالة التناقضية يستحيل علاجها بظل هذا الفكر، فهي في حقيقتها ثورات قمعية لأنظمة قمعية (انظر مقال فهمي هويدي «اخطر دبوس في العالم»). العرب بحاجة الى نقد للذات والعقل العربي واحلاله بمفاهيم اخلاقية اولها العدالة والظلم، وبغيرها فلن تستقيم أمورهم وسيسود التذابح.hasabba@gmail.com