ربما تكون الكلمة أقوى من الرصاص؛ وليس خفياً ما وجهنا إليه الدين من اختيار الكلام الطيب، ولم يكن هذا التوجيه فقط من أجل تهذيب النفس وإصلاح النفوس، ولكن للكلمة أثر بالغ وذبذبات صوتية غامضة تكمن في سر عميق يؤثر في النفوس وفي مجريات السلوك البشري، لعله من المؤسف أن يعرب المبعوث الدولي والعربي إلى سورية الأخضر الإبراهيم: «أن هناك قاسما مشتركا بين طرفي التفاوض في جنيف وهذا القاسم المشترك يجمع بين الطرفين من غير اعتراف أي طرف منهما بهذا القاسم، وأضاف الإبراهيمي حفظه الله تعالى أن القاسم المشترك هو أن كلا الطرفين يعترف أن الوضع الإنساني في سورية يحتاج إلى حل»؛ يا سلام حقاً اكتشاف فريد وسبق لا مثيل له في عالم التفاوض!!نلحظ أن المقصود من جنيف سواء التفت الطرفان إلى ذلك أم لم يلتفتا المقصود هو الوقت، انتهت فترة الربيع وعلى الجميع أن يفكِّكوا مخيماتهم ومعسكراتهم، طبعاً أقصد الربيع العربي، مَنْ صاحب القرار بإيقاف الربيع العربي؟ صاحب القرار هما طرفان: الأول هو بعض العرب الذين يقومون بدور الأداة لأميركا وطبعاً ليس خفياً من المحرك للسياسة الأميركية! والطرف الثاني هي السياسة السورية التي استندت إلى ثبات الجيش العربي السوري أمام المعتدين الذين جاؤوا باسم الدين والجهاد للقتال في سورية، ولم تكن روسيا والصين لتقف مع سورية إلا لأن كلا من روسيا والصين رأى إرادة سورية قوية تضمن مصالحهما في المنطقة؛ يعني ليس جهاداً في سبيل الله جزاكم الله خيراً!الذين يضعون الخطوط العريضة والتفصيلية للسياسة الأميركية يأخذون بعين الاعتبار المسلَّمات التي يستند إليها العقل العربي في تعاطيه مع الأحداث؛ إنهم يعرفون جيداً على سبيل المثال أننا سنثور لنقاطع المنتجات الدنماركية يوم وقعت حكاية الرسوم المسيئة لأننا شعوب نتأثر بكلام رجال الدين عندنا الذين سكتوا سنوات طويلة على ذبح الفلسطينيين وكسر عظامهم ولم يفتوا بالجهاد ضد المغتصب، بينما أفتى السيد يوسف القرضاوي بقتل العقيد القذافي! أما الآن فالوقت هو المطلوب على جميع المحاور: مماطلة في التفاوض في جنيف ونية للعودة لاستئناف ذاك التفاوض ربما في العاشر من فبراير الجاري، إعلان حازم من جانب عربي بمعاقبة كل من يقاتل خارج الوطن، وحملات إعلامية ضد الدعاة الذين تزعموا الحشد للقتال في سورية، وكل ذلك يعطي الوقت لنقل التوتر إلى لبنان لإثارة الفتنة، والمقصود تأجيج التوتر في الدول والمناطق التي لم تأمن إسرائيل جانبها حتى الآن لاستهداف ما بقي من جيوش العرب.لو لاحظنا الكلمات والدعوات التي تجري على لسان السوريين منذ زمن ليس بالقريب وخاصة الأمهات، فلا تخلوا جملة تتفوه بها الأمهات في سورية من دعوات بالحمى والسُّل والموت والقتل والتقطيع على أبنائهن، لقد ورد في الأثر أن يوسف عليه السلام حين قال: (ربِّ السجن أحبُ إليَّ مما يدعونني إليه..) قدَّر الله له الخروج من أزمته إلى السجن، فالإنسان موكولٌ لما يقول، وفي أصدق الحديث: (قُلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنَّ الشيطان ينزغ بينهم).نشرتُ السنة الماضية كُتيِّباً بعنوان: (من أعجب ما رأيت) دوَّنتُ فيه بصورة موثَّقة مواقف خاصة جرت معي بشكل مباشرة في عدد من البلاد، جاء في موقف منها: (..اعترفَ أمامي أحدُ المعلمين - أعتذر عن ذكر اسمه لطلبه ذلك ولأن القصة مؤسفة - أنه غضب يوماً من تلميذ أمامه على مقعد التعليم، فقال هذا المعلم للتلميذ بالعربية الدارجة: (رُوُحْ مُوُتْ). وفي اليوم التالي لَمْ يحضر التلميذ إلى المدرسة لأنه مات بالأمس!!).7attanaltaqi@gmail.com
مقالات
علي سويدان / حتى نلتقي
مات... بالأمس
09:36 م