المؤمن يتجمل بالخلال العظمية، ويتزين بحلل الفضيلة، التي على رأسها البر والإحسان ويحرص على أن يظهر هذه الشيم الرفيعة أمام والديه أولاً ويسديها لهما عرفاناً بالجميل، وشكراً لهما على العمل الجزيل، وهذا دأب الأنبياء والصالحين عبر الزمان. وقد خلَف خلْف أضاع وغفل عن هذه الطاعات لله رب الأرض والسماوات ثم عن البر بالآباء والأمهات، فكان منهم العقوق والنفور، نتيجة لأسباب ارتكزوا عليها، ودفعتهم الى التمرد والعصيان. ولقد أثمر العقوق من الأبناء والبنات للآباء والأمهات شوكاً أصاب هؤلاء العاقين، وتذوقوا آلام التمرد ونكران الجميل، ونزول غضب الله عليهم والحرمان من الخير، وغشيهم عذاب الله العاجل كما ينتظرهم عذابه الآجل. فحري بالبارين أن يستمروا في البر والإحسان، وعلى العاقين أن يرجعوا الى رشدهم، فيبدلوا التمرد والعصيان لوالديهم بالرحمة والإحسان، والعطف والرأفة، وبذل العطاء لهم، والتوقير والاحترام، وليسلكوا السبل التي توصلهم الى مرضاة الله تعالى ثم رضا الوالدين.وعن البر والعقوق سنتحدث في مجموعة من المقالات التي جمعتها في كتاب بعنوان «أمي وأبي... أبرهما ولا أعقهما» علَّه ينفع المسلمين... والله الموفق والمستعان.ان بر الوالدين يكون للأم والأب وأكثر أداء للأم لما بذلته من جهد نحو الولد، لذا كرر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالبر للأم ثلاثاً، فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يارسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم ابوك، ثم ادناك فأدناك» (رواه الشيخان)، وعنه انه قال: «امك واباك واختك واخاك ثم ادناك فأدناك) (رواه أحمد).وقد ضرب المثل الحسن في البر بالوالدين والاحسان الى الاقارب كما في الحديث السابق، ما كان من نبي الله يوسف عليه السلام مما يدل على ان بر الوالدين والاحسان الى الاقارب امر شرعه الله على الانبياء والامم السابقة.فيوسف عليه السلام كان قد رأى في المنام وهو ابن اثنتي عشرة سنة ان احد عشر كوكباً وهم اخوته والشمس والقمر اي ابويه سيسجدون بين يديه سجود تحية عند توليه السلطة وقد تحقق هذا بعد أربعين سنة.فقد رأى يوسف هذه الرؤيا، وحكاها لأبيه، ثم جرت احداثها حتى مكنه الله بالسيادة والملك، فكان من البر بوالده ان ارسل قميصه مع اخوته الى ابيه ليصرف عنه ما لحقه من فقد للبصر لحزنه لفقده يوسف واخيه بنيامين، وليبعث فيه البشر والفرح برؤية ابنيه، وحض اخوته على الحضور الى مصر، والجلوس معه في امن ورخاء بعد فقر كان لهم بفلسطين، وذهب ابواه الى مصر، وخرج الى الحدود يوسف عليه السلام وقابلهم واحسن استقبالهم، واجلس ابويه على سرير الملك براً بهما وتوقيراً لهما.وقد حكى القرآن ذلك فقال سبحانه: «اذ قال يوسف لابيه يأبت اني رأيت احد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين» ثم توالت الآيات في الاحداث التي مر بها يوسف عليه السلام ثم جاءت البشرى فقال جل شأنه: «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ابي يأت بصيراً واتوني بأهلكم اجمعين»، ثم قال سبحانه: «فلما ان جاء البشير القاه على وجهه، فارتد بصيراً قال الم اقل لكم اني اعلم من الله مالا تعلمون»... «فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر ان شاء الله ءامنين (99) ورفع ابويه على العرش وخروا له سجداً وقال يأبت هذا تأويل رُءيَيَ من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي اذ اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ان نزع الشيطن بيني وبين اخوتي ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم (100)» (يوسف 4، 93، 96، 99، 100).وتوالى الانبياء في البر بآبائهم وامهاتهم فيحيى عليه السلام كان باراً بوالديه وعيسى بأمه مريم وغيرهما، كما شاركهم في البر الصالحون والصالحات من الأمم السابقة، والامة الاسلامية، وخير مثال للبر بر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه عندما كان في سفر فمر على قبر أمه فبكى على فراقها، كما حض امته على البر بالوالدين، فامتثل البارون لآبائهم وامهاتهم للقرآن والسنة في التوصية بهما واليك أمثلة من البر:1 - لقد فهم الصحابة وسلف الامة والصالحون عبر الزمان ما يقوم به الوالدان من جهد مشكور في تربيتهم ورعايتهم، لذا كان الاحسان منهم، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، كما فهموا ان البر طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» (أخرجه الترمذي)، والمراد بالوالد: الأب والأم، وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما بإسناد حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم».وكان منهم الاحسان للوالدين رغم ما يبدر منهما او من احدهما من شدة نحو أولادهما وشح في الانفاق، وقسوة في الخلق، فقد روي انه اشتكى رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء خلق أمه فقال: «لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة اشهر؟ قال: انها سيئة الخلق، قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟ قال: انها سيئة الخلق، قال لم تكن كذلك حين أسهرت ليلها وأظمأتك نهارها؟ قال: لقد جازيتها، قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي، قال: «ما جازيتها ولو طلقة».ومن الصحابة البارين حارثة بن النعمان فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة، فقلت من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر، وكان أبر الناس بأمه»، فهذا جزاء البر بالوالدين البقاء في دار الجليل، وأنشدوا:والوالدان إلى شكر الإله موصولوالوالدان إلى دار السلام سبيلصل والديك ولا تقطع حبالهماليجزينك في دار البقاء جليلومن التابعين سعيد بن جبير قال: لُدغت فأمرتني أمي ان أسترقي فكرهت ان أعصيها فتناولت الرقا بيدي التي لم تُلدغ».ومن البارين من السلف الصالح عن المعتمر بن سليمان عن أبيه ان رجلا كان يفلي رأس أمه.عن ابن عون قال: دخل داخل على محمد بن سيرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئا؟ قالوا: لا ولكن هكذا هو اذا كان عند أمه، اي كان كأنه مريض من خفض كلامه، وعن الحسن ان رجلا قال له: اني قد حججت وان أمي قد أذنت لي بالحج، فقال له: لقعدة معها تقعدها على مائدتها أحب إلي من حجتك، ومعلوم ان هذا في غير الفريضة.وعن ظبيان بن علي الثوري، وكان من أبر الناس بأمه، قال: لقد قامت ليلة وفي صدرها علي شيء فقام على رجليه قائما يكره ان يوقظها، ويكره ان يقعد حتى اذا ضعف جاء غلامان من غلمانه، فمازال معتمدا عليهما حتى استيقظت، وانه كان ليشتري الدستجة (الحزمة) من البقل فينتقي لها طاقة طاقة حتى يضعه بين يديها، وكان يسافر بها الى مكة، فاذا كان يوم حار حفر بئرا ثم جاء بنطع فصب فيه الماء، ثم يقول لها: ادخلي تبردي في هذا.وعن مصعب بن عثمان قال: كان الزبير بن هشام باراً بأبيه، انه كان ليرقى إلى السطح في الحر فيؤتى بالماء البارد، فإذا ذاقه فوجد برده لم يشربه وأرسله إلى أبيه.وعن حفصة بنت سيرين قالت: بلغ من بر الهذيل، ابني لي أنه كان يكسر القصب في الصيف فيوقد لي في الشتاء، قال: لئلا يكون له دخان، وكان يحلب ناقته بالغداة، فيأتيني فيقول: اشربي يا أم الهذيل فإن أطيب اللبن ما بات في الضرع، قالت: فمات فرزق الله عليه من الصبر ما شاء أن يرزق، وكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تسكن، قالت: فأتيت ليلة من الليالي على هذه الآية: «ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» (النحل 96)، فذهب عني ما كنت أجده.وعن محمد بن المنكدر قال: (بات عمر يعني أخاه يصلي، وبت أغمر رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته، وكان حجر بن الأدبر يلمس فراش أمه بيده، فيتهم غلظ يده، فيتقلب عليه على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها).وقال سفيان بن عيينة: قدم رجل من سفر فصادف أمه قائمة تصلي فكره أن يقعد، وهي قائمة فعلمت ما أراد فطوّلت ليؤجر، وبلغنا عن عمر بن ذر أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره؟ قال: ما مشى معي نهاراً قط إلا كان خلفي ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقي سطحا أنا تحته).قال هشام بن حسان: حدثتني حفصة بنت سيرين، قالت: كانت والدة محمد بن سيرين حجازية، وكان يعجبها الصّبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوباً اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيداً صبغ لها ثياباً، وما رأيته رافعاً صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي). وعن بعض آل سيرين قال: ما رأيت محمد ابن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع. روى جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض، ثم يقول لأْمه: قومي ضعي قدمك على خدي، وعن ابن عون المزني أن أمه نادته فأجابها فعلاً صوته صوتها فأعتق رقبتين.هذه نماذج من بر الوالدين من السلف الصالح ذكرتها ليتأسى بها شباب اليوم، وشاباته، حتى يفوزوا بطاعتهم للوالدين، برضا الخالق ثم برضا الوالدين.* إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
متفرقات - إسلاميات
أمي وأبي... ... وبالوالدين إحساناً (2 من 2)
06:45 م