يعيش القطاع النفطي روحاً جديدة منذ التغيير الإداري الأخير العام الماضي، تجسّد بانطلاق مشاريع استراتيجية بمليارات الدنانير بعد تأخير لسنوات طويلة. لكن هناك من يبدي قلقه من عرقلة «ربيع المشاريع»، وعودة التخبط بخلافات الماضي، من نافذة ملف غرامة «داو كيميكال». فهل من سبيل لعزل القضية عن مسار المشاريع، ومتابعتها في مسار بعيد عن المزايدات الإعلامية والسياسية؟ لأن أي سبيل آخر لمعالجة الملف، ستكون أشبه بالقول مع أبو النواس: «وداوني بالتي كانت هي (الداو)»! كثير من القياديين والعاملين بالقطاع النفطي لا يخفون هذا القلق من عودة صراعات الماضي وتأثيرها على خطط النفط الاستراتيجية المستقبلية فما ان بدأ القطاع بالتقدم للأمام إلا وأطل عليه الماضي ملف غرامة «كي داو»، في جو من التحمية السياسية والإعلامية. القطاع النفطي بحلته الجديدة على الرغم من مضيه بشكل ثابت للأمام إلا أن ما يحدث حالياً أثار الكثير من التساؤلات حول ما يمكن أن يحدث إذا اتخذ أي قيادي قراراً ما كالمضي بمشروع أو تنفيذ الخطط الاستراتيجية لشركته أو لقطاعه، فهل سيكون هو في ما بعد الضحية إذا اختلف معه في التوجهات أو الرؤى؟ هذا مع العلم بأن أي قرار ليس فردياً ويتطلب موافقات عدة مجالس إدارات وليس واحداً.وكما يرى الكثيرون فإن السبيل الأمن للقطاع النفطي حالياً هو المشاركات العالمية للحفاظ على مكانة الكويت في السوق النفطية وضمان تصريف نفطها بشكل لا يضعها تحت رحمة السوق والمنافسين المقبلين مثل إيران والعراق وتدلل المستوردين، أو شراء حصص مؤثرة في الشركات العالمية المستهلكة للطاقة بحيث تصبح للكويت قرارات مؤثرة فيها بشراء النفط الكويتي، وبالتالي فكل هذه الشراكات ستكون من رحم مجالس الإدارات نفسها وما لم تتلق كل الدعم لن تمضي ولن تتحقق لان أحداً لن يقبل بعد ذلك أن يتم التشكيك فيه.إذاً، هل أصبح القطاع النفطي قابلا للاشتعال في أي وقت متى ما أرادت فئة ما؟ سؤال يطرحه كثيرون، معتبرين أن القطاع لن يستقر ما لم تكن هناك استقلالية تضمن لقيادييه والعاملين فيه العمل بشكل فني بحت، وبخلاف ذلك لن تكون هناك قرارات مفصلية تضمن اغتنام الفرص العالمية.ويؤكد قيادي نفطي أن الكويت لم يعد أمامها إلا التوسع عالمياً وشراء حصص مؤثرة في الشركات العالمية، خصوصاً المجمعات النفطية المتكاملة فمن جانب تضمن تصريف نفطها بشكل أكثر أريحية، ومن جانب آخر تضمن وجود منتجات ذات عوائد مجزية وتضمن استقرار الخطط النفطية المستقبلية خصوصاً أن عودة النفط العراقي والنفط الإيراني لسوق النفط العالمية سيكونا التحدي الأكبر أمام الدول المنتجة، وبالتالي على الكويت البحث عن منافذ آمنه لنفطها تضمن تصريفه بشكل سلس لا يضطرها للوقوف في صفوف المورّدين وتقديم تسهيلات من الممكن أن تؤثر نتائجها النهائية على الخطط الاستراتيجية المعتمد لها مليارات الدنانير، وبالتالي فمن دون الدعم السياسي والدعم الفني لن يتقدم القطاع النفطي قيد إنملة وسيظل متوقفاً.وعلى الجانب الآخر، أصبحت مؤسسة البترول الكويتية بين نارين، زيادة النفط العراقي والإيراني وبين ضمان تسويق نفطها، هذا ما يؤكده قيادات ومسؤولون في مؤسسة البترول الكويتية، فبين ليلة وضحاها سيصبح السوق النفطي العالمي مكتظا بالمزودين، وعلى الرغم من ذلك مازال أمام الكويت فرصة للتوسع خارجياً وشراء حصص في شركات عالمية، والدخول في مجمعات متكاملة تضمن تسويق النفط الكويتي وكذلك تحقيق عوائد مجزية.ويقول قيادي نفطي في المؤسسة الأم «نعمل بجد ليل نهار بيد أن الأسواق العالمية متغيرة ومتقلبة، والمستهلكون يبحثون عن أفضل العروض، وكلما توافر المعروض من النفط تعرض المزودون للكثير من الضغوط، فاما خفض الأسعار وتقديم المزيد من التسهيلات أو خسارة الزبائن».قيادي آخر يعتبر أن «الطريق الأمثل لنا هو التوسع خارجياً والاستثمار في البنى التحتية للدول النامية في شتى بقاع الأرض متى ما كانت هذه الدول ضمن خططنا التوسعية في السوق النفطية خصوصاً شرق آسيا»، مضيفاً أن مجلس إدارة مؤسسة البترول الكويتية يرى أن هذا الطريق هو الأمثل لضمان عدم تأثر الخطط النفطية الاستراتيجية الداخلية.ويضيف «ليس مقبولاً أن نصرف المليارات على خططنا سواء التطويرية أو الإنتاجية لرفع الطاقة الإنتاجية ولا نجد من يشتري نفطنا أو نضطر لتقديم تسهيلات تؤثر في الناتج النهائي، معتبراً أن التحدي الحقيقي في هذا التوسع هو وجود الدعم السياسي والفني لهذا التوجه»، قائلاً «فليس منطقياً أن يُتخذ قراراً بالتوسع هنا أو هناك ولا يلقى الدعم اللازم لذلك».وتتساءل المصادر كيف نضمن تصريف نفطنا بشكل آمن؟ وما جدوى رفع الطاقة الإنتاجية كما هو مخطط له، إذا تغيّرت أساسيات السوق بشكل جذري ولم نتطور نحن مع متغيرات السوق؟من جانبها، اعتبرت مصادر أخرى أن عودة النفط العراقي تحد كبير على الكويت أن تضعه نصب أعينها، فلا يمكن الاستهانة بما يمكن أن يحدث في السوق النفطية العالمية في حال عاد العراق لسابق إنتاجه، وهو بالفعل بدأ وتطور بشكل كبير وتعامل بالسوق بشكل منتظم ويجتذب الزبائن، وعلى الرغم من المميزات التي يكتسبها النفط الكويتي وضمان استمرار تدفقه إلى الزبائن، إلا أن هناك محددات قد تكون أقوى من ضمان الاستمرارية ومنافذ التحميل.ويضيف القيادي «بالأساس خطط النفط دائماً مستقبلية لسنوات طويلة مقبلة، وعودة العراق وإيران وليبيا والنفط الصخري لابد أن تكون بالحسبان، وعلينا أن نبني خططنا بما يضمن سلامة وأمان تسويق وتصريف نفطنا فليس مقبولاً أن نبني خططاً وننتظر أن تدعمنا فيها السوق العالمية، ومن هنا فإن الخيار الأساسي يكمن في توفير منافذ تصريف مثل المشاركات العالمية وشراء حصص في الحقول العالمية من منطلق التواجد بشكل ثابت ومستقر».ويؤكد أن عودة «العراقي» للإنتاج يعتبر تحدياً كبيراً لمؤسسة البترول الكويتية ومشاريعها النفطية، حتى وإن لم يكن ذلك معلناً، معتبراً أن ما قام ويقوم به العراق خلال الفترات الماضية من عمليات جذب للعملاء أو خفض الأسعار يمثل تحدياً وضغطاً مباشراً على السياسات النفطية سواء التسويقية أو الإنتاجية أو مشاريع التكرير، وبالتالي كسب أسواق جديدة، ومن ذلك التفاوض مع الشركات العالمية على أساس الدخول في مناقصات تطوير حقوله مقابل عقود طويلة المدى، وهو ما يضمن دخوله للأسواق واكتساب عملاء أكثر.ومن جانب آخر، تقول مصادر نفطية إن للكويت مميزات كبيرة عليها أن تستثمرها وأن تحافظ عليها، أهمها قدرتها على استمرارية الإمدادات، وهو ما يعتبر ضرورياً للزبائن، ما قد يبقي المنافسة متكافئة إلى حد ما في ظل الحالة الأمنية غير المستقرة في العراق وإغلاق الحقول لأسباب امنية من وقت لآخر.وأكدت المصادر أن الحل الاستراتيجي للخروج من حسبة الأسواق والمنافسة الشرسة لضمان تسويق النفط الكويتي يكمن في المشاريع النفطية التنموية، سواء الخارجية أو الداخلية لتكرير النفط الكويتي وبيع المنتجات على أن تكون متوافقة مع المعايير العالمية.وأشارت إلى أن الضامن الثاني يتأتى من خلال بناء علاقات قوية مع زبائن مؤسسة البترول الكويتية، بما يضمن تفضيل الكويت عن الشركات الأخرى المنافسة في هذه الأسواق متى اشتدت المنافسة، أما الضامن الثالث فيكمن في توقيع عقود طويلة المدى، ومثل هذه العقود الكبيرة يتم إنجازها عادة من خلال السياسيين لا المسؤولين النفطيين.وتشير مصادر أخرى إلى أنه على الرغم من التوقعات بانخفاض الطلب على نفط «أوبك» عما كان عليه، إلا أن التطورات السياسية والاقتصادية ستحدد تحركات السوق، فرفع الإنتاج العراقي والأميركي من شأنه خفض الأسعار كثيراً، لكن العرض والطلب سيحددان ذلك، غير ان الوضع الحالي يضع الزبائن في الموقف الأقوى.