ترتبط الإضافات الجديدة في صناعة التكرير بتنامي معدلات الاستهلاك في مختلف الأسواق في العالم. وفي هذا السياق تقدر مصادر السوق ان ما يقارب من 8.6 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير تتم إضافتها خلال السنوات 2013 – 2018، مدعومة بإضافة قدرات تحويلية تصل في مجملها 5.5 مليون برميل يومياً، منها 3.8 مليون برميل يومياً من آسيا، او ما يقارب من 45 في المئة من إجمالي الإضافات، وبالطبع غالبها يكون في الصين والهند، كذلك سيأتي مليونيا برميل يومياً في شكل مصاف جديدة من منطقة الشرق الاوسط، والمسؤول عن الاستثمارات في الأسواق الواعدة هي الشركات الوطنية هناك، والتي تفضل الدخول في شراكات تؤّمن لها التمويل والتقنية والنفط الخام، مع شركات عالمية ووطنية تابعة للبلدان المنتجة للنفط والتي تضمن منفذا آمنا لنفوطها في الاسواق الواعدة ولكن على أساس تحقيق جدوى اقتصادية وتجارية.ولقد أسهم التوسع في بناء مصافي تكرير جديدة للنفط في السابق، والذي تم التخطيط له خلال فترة انتعاش الطلب العالمي على النفط خلال في 2004 – 2008، الى وجود فائض في طاقة التكرير، علماً بان المصافي الجديدة لديها قدرات تكسيرية وتحويلية لتوفير منتجات بيئية عالية الجودة تتماشى مع أنماط الطلب في العالم، ولكن تواجه الصناعة تحدياً يتمثل في تصريف تلك المنتجات بسبب المنافسة التي قد تنجم عن وفرة المعروض، ويمثل فائض الطاقة التكريرية مقابل معدل الاستهلاك، تحدياً كبيراً أمام شركات النفط. ويبدو تأثير ذلك واضحا (1) تقليص أرباح عمليات تشغيل المصافي (2) ضعف معدل تشغيل المصافي، (3) زيادة في تقلب الأسعار وتحرك المضاربين للاستفادة من الفرص المتوافرة في تلك الأجواء، (4) وفرة في المعروض من المنتجات البترولية (5) رفع حدة التنافس في الاسواق المختلفة.ولكن تحسن أجواء أداء المصافي مرتبط بظروف من بينها، (1) تأخر خطط لبناء مصافى جديدة، (2) ارتفاع مستوى الاستهلاك في آسيا عند معدلات تفوق التوقعات، (3) اتساع الفروقات بين أسعار النفوط الخفيفة والثقيلة، (4) تحسن أسعار الديزل، (5) تحسن في أسعار البتروكيماويات والنافثا، (6) ربط الاستثمار في بناء مصاف جديده ومجمع بتروكيماويات لتحقيق التكامل والاستفادة المثلى من القيمة المضافة من هذا التكامل في العمليات. كما ان تبني سياسات وإجراءات وقائية تضمن التعامل مع تلك الآثار بشكل مهني، مرتبط بسرعة إحداث التوازن بين معدلات الزيادة السنوية في كل من التكرير والطلب العالمي، ولعل من اهم الاستراتيجيات تتمثّل في امتلاك المرونة (التكتيك الفعّال) في أجواء المنافسة، سواء ذلك في صورة القدرات على إنتاج منتجات بترولية بمواصفات متنوعة ومطلوبة في السوق، أو امتلاك قدرات تخزينية كبيرة محلياً او قريباً من اسواق المستهلك، أو قدرات لوجستية عالية تضمن للمصفاة المرونة والقدرة للإيفاء باحتياجات المستهلك النهائي وإرضائه.ولمّا كانت هوامش أرباح عمليات المصافي هي نتاج للفروقات ما بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات البترولية، فإن عودة انتعاش الارباح أمر مستبعد لفترة مقبلة في ضوء فائض الطاقة التكريرية، ويشترط بعض المراقبين لحدوث التحسن بإغلاق الفائض في الطاقة التكريرية، علماً بأنه قد تم فعلياً إغلاق ما يقارب من 4.4 مليون برميل يومياً خلال السنوات 2008 – 2012، منها 90 في المئة تم في البلدان الصناعية حيث تم اغلاق مليوني برميل يومياً من طاقة التكرير في اوروبا، 1.5 مليون برميل يومياً في الاميركيتين، والبقية في اليابان واستراليا.وتتوقع المصادر أن عودة أرباح المصافي رهن إغلاق ما يقارب من 10 ملايين برميل يومياً إضافية من طاقة التكرير الحالية لإحداث التوازن، ولكن بعيدا عن حالة التشاؤم التي تحيط بقطاع المصافي فإن اتساع الفروقات ما بين المنتجات الخفيفة والمتوسطة، مقابل زيت الوقود والذي يتزامن مع ارتفاع تدريجي في المعروض من النفوط الثقيلة من «أوبك» قد يمهد الطريق أمام تحسن جزئي في عمليات المصافي. ويتوقع البيت الاستشاري (سيرا) تحسنا ولكن بوتيرة متواضعة في هوامش أرباح المصافي في آسيا على المدى المتوسط خلال السنوات 2014 – 2018، مع تشغيل موجة جديدة من المصافي في آسيا ومنطقة الشرق الأوسط، والتي يدعمها توقعات ضغوط على اسعار النفط مقارنة مع اسعار المنتجات البترولية، تحسن في معدلات تنامي الطلب على النفط، إغلاق المصافي في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كذلك فإن تعافي اداء الاقتصاد الاوروبي سيؤدي الى تعافي في هوامش أرباح المصافي في السوق الاوروبية.وفي هذا السياق، فإن اتساع الفروقات بين أسعار الديزل والجازولين يدعم تعافي هوامش ارباح المصافي، ولذلك فإن أي تباطؤ في معدل تنامي الطلب على النفط يقلص من هوامش ارباح المصافي. ويبقى خفض معدل التشغيل من ضمن التكتيكات المناسبة لخفض الفائض من المنتجات البترولية من السوق، كما أن التغير في هيكلة المصافي يؤثر وبلا شك على نمط تجارة المنتجات البترولية بين مختلف الأسواق جغرافيا.كما لا تزال آسيا تمثل السوق التقليدية لاستيعاب الفائض من منطقة الشرق الاوسط، ولكن مع موجة المصافي الجديدة الآسيوية فإنه مع وجود الفائض لابد من ان يتم استهداف اسواق جديدة في تصريف الفائض في اسواق، افريقيا واميركا اللاتينية واوروبا.واصبحت الولايات المتحدة الأميركية سوق مصدرة، وذلك بسبب وفرة النفط الصخري محليا والقدرة على تكريره وتحويله الى منتجات ذات قيمة عالية في اسواق العالم المختلفة لتدعم عمليات وهوامش أرباح المصافي في السوق الأميركية مقارنة مع أي مكان في العالم. ونختم بما نشرته مجلة «بتروليوم انتلجنس ويكلي» عن تحسن الأداء المالي لعدد من الشركات النفطية (شيفرون، إكسون، شل، بي بي، كونكو، توتال)، حيث أسهمت أسعار النفط الخام العالية في تحسن أداء تلك الشركات في نشاطها على قطاع الإنتاج بشكل يغطي على تقلص هوامش أرباح المصافي في دعم الأداء المالي للشركات النفطية بصفة عامة، وهذا بالطبع للشركات التي لديها تنوع في نشاطها بينما تعاني الشركات التي يقتصر نشاطها فقط على التكرير، وطبعا نؤكد على ان المصافي في الولايات المتحدة حالة استثنائية مستفيدة من وفرة النفط الصخري، وارتفاع اسعار المنتجات البترولية في تحقيق ارباح مناسبة مقارنة مع آسيا وأوروبا.خبير ومحلل نفطي