المؤمن يتجمل بالخلال العظمية، ويتزين بحلل الفضيلة، التي على رأسها البر والإحسان ويحرص على أن يظهر هذه الشيم الرفيعة أمام والديه أولاً ويسديها لهما عرفاناً بالجميل، وشكراً لهما على العمل الجزيل، وهذا دأب الأنبياء والصالحين عبر الزمان. وقد خلَف خلْف أضاع وغفل عن هذه الطاعات لله رب الأرض والسماوات ثم عن البر بالآباء والأمهات، فكان منهم العقوق والنفور، نتيجة لأسباب ارتكزوا عليها، ودفعتهم الى التمرد والعصيان. ولقد أثمر العقوق من الأبناء والبنات للآباء والأمهات شوكاً أصاب هؤلاء العاقين، وتذوقوا آلام التمرد ونكران الجميل، ونزول غضب الله عليهم والحرمان من الخير، وغشيهم عذاب الله العاجل كما ينتظرهم عذابه الآجل. فحري بالبارين أن يستمروا في البر والإحسان، وعلى العاقين أن يرجعوا الى رشدهم، فيبدلوا التمرد والعصيان لوالديهم بالرحمة والإحسان، والعطف والرأفة، وبذل العطاء لهم، والتوقير والاحترام، وليسلكوا السبل التي توصلهم الى مرضاة الله تعالى ثم رضا الوالدين.وعن البر والعقوق سنتحدث في مجموعة من المقالات التي جمعتها في كتاب بعنوان «أمي وأبي... أبرهما ولا أعقهما» علَّه ينفع المسلمين... والله الموفق والمستعان.

... وبالوالدين إحساناً (1 - 2)

إن سمو المجتمع، وعلو شأنه وسيادته، وتماسك أفراده، وترابطهم واحترامهم، ينبع هذا أولاً من الأسرة، فيكون أفراد الأسرة كخلية النحل، يعاضد بعضها بعضا، يؤدي كل فرد منهم واجبه، زوجا وزوجة وأولادا.ولا شك أن الزوجين كثيراً ما يؤديان واجبهما، ولكن كثيرا ما يكون التقصير والتفريط من الأولاد، وهذا يعكر صفو المودة بين أفراد الأسرة، ويضعف بنيانها، ويؤثر هذا الوهن في المجتمع، لذا اهتم الإسلام بحض الأبناء على رعاية الأمهات والآباء، ويأمر البنات بالبر بهم.إن بر الوالدين لون من ألوان العبادة لله تعالى، بل جعلها الحق سبحانه مقترنة بعبادته، فقال سبحانه: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لها قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً) (الإسراء: 23 - 25).إن بر الوالدين أمر شرعه الله منذ القدم على الأنبياء والأمم السابقة، فالتزم به الأنبياء نحو آبائهم وأمهاتهم، وإن كانوا غير صالحين، كما حافظ على طاعة الوالدين الصالحون في الأمم السابقة وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان منهم البر للآباء والأمهات لينالوا الأجر من الله تعالى، ثم رضا الوالدين عنهم، والسعادة في الدارين، وامتثالاً لأمر الله تعالى لهم بالبر الوالدين، وإليك نماذج من هؤلاء الصالحين.1 - إن من أبر الناس بالوالد نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي كان منه السلم لوالده، بل دعا له بالهداية، وطلب من الله المغفرة له قبل أن ينزل عليه النهي عن ذلك مع تبرئه من كفر أبيه، كما أحسن إلى أبيه وسالمه، وأطاعه في غير معصية الله، ولم يبارزه فيما أقدم عليه نحوه من تهديد إبراهيم بالقتل، وقد حكى القرآن ذلك، وقال والد إبراهيم لابنه: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبياً ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق علياً) (مريم: 46-50).وأمر الله المسلمين بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في عبادته لربه وفي بره بوالده الكافر مع اعتزاله له في الكفر: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم إنا برءاوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) (الممتحنة: 4-6).ونفى الله ولاء إبراهيم لأبيه، واستغفاره له على شركه، وإنما كان هذا الاستغفار مقيداً بإيمانه بالله وحده واتباعه ابنه إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (التوبة: 114).2 - ومن البارين لآبائهم نبي الله إسماعيل عليه السلام الذي أثنى عليه ربه بالنبوة والصدق، ومدحه في طاعته لبارئه ثم لأبيه في أمر الذبح، كما مدحه بحسن الخلق، فقال الحق سبحانه عنه بعد ذكره لأبيه ابراهيم عليه السلام: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاءُ المبين وفديناه بذبح عظيم) (الصافات: 99-107).ولنأت إلى هذه القصة مع ذكر الحكمة منها:لما دعا إبراهيم قومه الى عبادة الله تعالى وحده كفروا بعبادته، فهاجر وتركهم، ودعا ربه أن يهبه ذرية يناصروه عوضاً من قومه، فبشره الله بإسماعيل ثم إسحاق ثم ذرية إسحاق، ثم هاجر إلى مكة وترك زوجه هاجر وابنها إسماعيل بها، وأخذ يزورهما مرة ومرة ليتفقدهما ويعرف أحوالهما، فلما كبر إسماعيل عليه السلام وترعرع جاءته الرؤيا بذبح ابنه إسماعيل - ورؤيا الأنبياء حق - وأعلم ابنه برؤياه ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله وطاعة أبيه، فما كان من إسماعيل عليه السلام إلا أن قال لأبيه: امض لما أمرك الله به من ذبحي، وستجدني إن شاء الله من الصابرين، سأصبر واحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه فيما وعده، لهذا قال تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً وكان يأمر أهله بالصلواة والزكاة وكان عند ربه مرضياً) (مريم: 54- 55).وعندما همّ ابراهيم عليه السلام بذبح ابنه أسلما أمرهما لله، وانقادا لأمره، فتشهدا وذكرا اللـــــه تــــعالــــى، إبـــــراهيــــم عـــــلى الذبح، والولد على شهادة الموت.وهكذا نجح إبراهيم في هذا البلاء العظيم، ووفى عهده منقاداً لطاعة الله، ولهذا قال تعالى عنه: (وإبراهيم الذي وفى) (النجم: 37)، وكافأه الله على صبره بأن فدى ابنه من الذبح، وأبقاه معه الى حين، ليساعده في أمر الدعوة الى الله، وقد قام معه برفع قواعد البيت العتيق، وإنما كافأه الله تعالى بذلك لتقواه وصبره، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 2-3).ولقد نجى الله إسماعيل عليه السلام، من الذبح لصبره واستسلامه لأمر الله ثم لأمر أبيه: (وفديناه بذبح عظيم) (الصافات:107).أما الحكمة من هذه القصة فقد ذكرها الشيخ الصابوني:إن إبراهيم اتخذه الله تعالى خليلاً، فلما سأل ربه الولد وهبه له، وتعلقت شعبة من قلبه بمحبة ولده، فأُمر بذبح المحبوب لتظهر صفاء الخلة، فامتثل لأمر ربه وقدم محبته على محبة ولده، قال ابن عباس: فلما عزم على ذبح ولده ورماه على شقه قال الابن: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، واحدد شفرتك، وأسرع بها على حلقي، ليكون الموت أهون عليَّ، وإذا أتيت أمي فأقرئها مني السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي عليها فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله.ومن قصة ذبح إسماعيل يتبين لنا جلياً أن طاعة الله ثم طاعة الوالد سبيل النجاة من الكروب، وذهاب الهموم، ونزول الخيرات، لذا قال سبحانه: (إنا كذلك نجزي المحسنين) (الصافات:105).* إمام وخطيب بوزارة الأوقاف