لم يكن فوز الروائية والقاصة والمؤلفة المسرحية والناقدة ذات القدرات، سعداء الدعاس، للمرة الثانية بجائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيتها (أنتم من قال ذلك)، مفاجأة من العيار الثقيل بالنسبة لي؛ حيث انه من المعلوم، أن مداد قلمها لا يسيل إلا على ما هو زاهر.ومنذ أن خبرنا سعداء، التي تضع بالمناسبة اللمسات الأخيرة، على أطروحة الدكتوراه في فضاء نقدي مُستعص، إلا وهو نقد النقد، فقد تجلى أن لديها القدرة ككاتبة، على إجلاس الأدب على عرش النقد، حيث عُرفت في بداياتها كقاصة، بعد صدور مجموعتها القصصية الأولى بعنوان (عتق) عن دار ميريت، ثم وفي أقل من عامين، لوحظ أن حنينها إلى الإبداع أخذها صوب ديوان العرب الجديد، لتؤسس محاولتها الروائية الأولى، بصدور روايتها الأولى (لأني أسود)، والتي كانت قد حازت عنها على جائزة الدولة التشجيعية، عقب ظفرها بعدة جوائز مرموقة، منها ميدالية طه حسين، وجائزة إحسان عبدالقدوس.وإنه لاغرو أيضاً، أن مسحاً بصرياً بسيطاً لاستكناه حقائق إنجازات الدعاس، ليؤكد أنه ما كان لأي أدب (نقد- مسرح- شعر- رواية- قصة قصيرة) أن يحتل هذا الاهتمام لدى القراء والتكريم لدى الدولة، داخل حقل من حقول الإبداع، إلا لمكانة ما، تفيد بأنه يستأهل أن ينعت أدباً بارعاً؟وغني عن البيان، أننا إذ نتابع اليوم التمايزات الإبداعية لدى الدعاس، فإننا نقوم بذلك، لا سعياً وراء الخوض في أدق تفاصيل إنتاجها الإبداعي، بقدر ما هو بغية الاهتمام بالصورة العامة التي تسم أعمال هذا المبدعة، تاركين الخوض في التفاصيل للدراسات، التي تتوخى الإمساك بالجزئيات.ومن هاته، فإنه بعيداً عن موضوعة الجوائز في حياة المبدعين، فإن أكثر ما يلفتني في الدعاس، التي كتبت تقريباً في أغلب الأجناس الأدبية، أنها تعد نموذجاً للناقد العربي المثقف، الذي لم يقبع في برج النقد العاجي، منفصلاً عن المجتمع الذي يعجز عن الارتقاء لفهم أفكاره المتسامية!... وإنما اضطلعت بأدب لامست عبره هم الإنسان وقلقه العارم، محققة على عدة مستويات، ارتباطاً لائقاً وعميقاً بمعاناة الإنسان ومكابدته وتطلعاته!وهكذا إذا، فإنه فيما أخذت الأقلام النقدية المثقفة تلوك فقط المصطلحات، ظناً من بعضها أن ذلك شفيع الانتماء الحداثي، فقد واكبت سعداء هذا الاستحضار، وصدرت لها في السنوات القليلة الماضية أعمال أدبية لاقت كل الاستحسان والتقدير، وكم هو جميل أن تثير الأعمال الأدبية لأحد أبناء النقد، بفضل من تدفقها بالحياة، مسائل نقدية، يحاول زملاءه الناقد أن يُجيبوا على معطياتها، للوقوف عليها وتبين الإجابة عن ما يكتنزه محيط هذه الأعمال من مفاهيم.ولما كان ما تقدم، فإنه مما لا شك فيه، أن مسرحية (أنتم من قال ذلك)، سوف تستقطب اهتمام النقاد الذين ألفوا مع نجاحها وتكريمها، حدثاً خليقاً بالاستكناه، باعتباره مختارة أدبية قمينة دقائقها بالاهتمام، وتستحق أن تنال حظها من التقري وإلطاف النظر والبحث والدراسة.وإذا كان من أمر يحسب للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فإنه على الرغم من تحفظي عامة على أي قيود قد يواجهها الكاتب العربي في الكتابة، تجعله غير قادر على تناول مواضيعه بحرية كاملة، فإنه على الرغم من أن الدعاس، كانت دوماً صاحبة موقف نقدي وأدبي لافتاً فيما تعبر عنه، طارقة من على منصات المهرجانات المسرحية، وعبر عمودها السابق في صحيفة أوان، كل القضايا المثيرة للجدل، في علاقة المثقف بالمجلس الوطني، من دون أن يعتريها أي خوف على زخرف دنيوي، قد تصيبه من وراء عملها الثقافي، فإن المجلس الوطني يقرر تكريمها للمرة الثانية عقب جائزتها التي نالتها عن (لأني أسود)!ونقدياً، فإنه على الرغم من أنه لم يتسن لي بعد قراءة (أنتم من قال ذلك) السالفة البيان، فإنه من المعلوم، عبر تجارب الدعاس الأدبية السابقة، أنها تتباعد قدر الإمكان ككاتبة، عن لغة نقاد السبعينات التي كانت شغلها الشاغل، تعالق الشكل بالمضمون، حيث ان شغل قلمها الشاغل، يتمحور في الكتابة حول التحولات الطارئة على مستوى المجتمع، وما أعمالها الإبداعية السابقة، إلا تجسيد لرؤيتها الفكرية الاجتماعية، وتعبير جمالي عن آراء فكرية جديرة بالتأمل والتفكير.والدعاس، حينما تستنهض الفن والأدب كمرآة تعكس الواقع الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي في المجتمع الكويتي/ العربي، فإنها تعلم أن وظيفة الأديب لدى الكتابة عن المجتمع ليست تصوير هذا المجتمع على نحو فوتوغرافي مجرد، بل الكتابة عن القيم، وتحويل المستحيل والمستبعد في المجتمع إلى واقع قابل للتصديق، لتمكننا من رؤية الواقع الذي تقدمه إلى المتلقي، ثم تخيّله، وصولاً إلى الاستمتاع به، وكل ذلك بأسلوب يثري ذائقتهم الأدبية.إنها رغم تعدد أفكارها والمواضيع التي تتناولها، تعلم أن الأعمال الأدبية المهمة والمؤثرة عبر التاريخ حققت شهرة كبيرة بسبب القضايا التي تناولتها، بمعية لغتها وأسلوبها، ولهذا السبب، نجدها تبذل في كتابتها جهداً لغوياً امتاعياً كبيراً... استحقت عليه اهتمام الدولة، وقبل ذلك بالتأكيد، اعتزاز وتقدير الجميع لشخصها الكريم.* أستاذ النقد والأدبaliali2222@hotmail.com
محليات - ثقافة
نحو ألق ثقافي
سعداء الدعاس... ونسق الناقد الأديب
| د. علي العنزي |
07:09 ص