أجل، بارعة هي في ما تؤديه من حركات وإيماءات تعبيرية خلال تناغمها مع الآلات، التي ترافق أرق الأصوات الكويتية، عندما «تتسلطن» وتشدو بعضاً من السامريات، أو عندما تتراقص الكلمات طرباً على أنغام الموسيقى المتدفقة من هاتين السماعتين الجبارتين.ولأبدأ بك أو بنفسي من أول الخيط- لكي لا أسهو عن بعض الاستنتاجات في التحليل أو التضليل- فهي فعلا كانت كأفعى في عنفوان نشاطها، تتمايل بصورة مبهرة تجعلني أشك أنها تسمع من أذنيها، فالطرب الذي يهز كل خلية في جسدها يحوّل كل ذرة منها إلى أُذن حساسة تتجاوب مع كل همسة، كل ضربة دف وكل نغمة. أراقبها منذ ثلاث ساعات.كانت غائبة خلال هذا الوقت عن كل الوجود من حولها، واتحدت ـ حسب أعتقادي- بشيء ما، شيء غير مادي، وغير منظور بالنسبة لنا نحن الحضور المشاهدين. لقد تراقصت خلال رقصاتها اللانهائية، والتعبيرية، من غير أن يؤثر عليها الصخب الذي يملأ الغرفة.مغمضة العينين، حافية القدمين، متخففة مما يعيق حركاتها، وتلجأ أحيانا إلى رباط يحيط بأسفل وسطها، وهو آخر خيط يشدها إلى الواقع الذي نعيشه معها، وتحضره معنا بشكل مختلف.منذ شاهدتها في أولى اللحظات، لحظات أول لقاء عندما تحتوي العيون المجهدة العيون العطشى، عندما تتلاقى خمسة أصابع ليد عجوز مع خمسة أصابع يتحدون الزمن ـ فالشباب هو حالة نفسية لا علاقة لها بأرقام الأعوام والشهور وعقارب الساعات.في تلك اللحظات الأولى عكس لحظها تعطش لنشوة لم أكن أعلم كنهها، ولكن مع اكتمال الحضور، وجلوس صاحبنا المشترك أبو سعود إلى جانبي وغير بعيد عنها جعلني أتخفف من أعبائي، وأحاول استيعاب ما يمر بهذه الأمسية عن طريق الاستيعاب الكامل لهذه الأنثى، التي وصفها لا وعي بما شاء الله عليها. بدأت تألفني، بواسطة أبو سعود الذي مهد الطريق للتعارف الودي بيننا، مع هذا التصعيد الهادئ للحديث والعلاقة، بدأت تنمو أمور مشتركة استدعت في بعض الأحيان- حتى لا يسمعها أحد- أن تميل علي بكل أريجها الفواح من شعرها المتماوج على وجهها المعجون بشيء من الصفات اللا إنسانية، مما ترك لي المجال في أن أحتضنها بين أهدابي. لقد شاهدتها الآن وللمرة الأولى عن قرب، قالت بهمس أطار جزءا من وعيي: عذرا إذ لم أرحب بك في بداية اللقاء!أجبتها هامسا أيضا، دون أن أقلع عينيي عما أجده من تناسق طاغ بين كل أجزائها: لا بأس، ولنبدأ الآن من حيث تريدين!استقبلت كلماتي بابتسامة مشفوعة بغمزة صدرت كأنها شرارة من مكان ما في وجهها، طوحتني حائراً، إذ لا أدري أين كان الهدف الحقيقي. أردفتْ بعد أن ازداد ميلها علي، فتلاصق كتفانا، وأشارت من طرف خفي إلى صاحبنا المشترك: أما أبو سعود فهو معرفة جديدة، لم تولد إلا قبل أسابيع!أومأت برأسي موافقا على أطروحتها من دون محاولة الدخول في تفاصيل تجاذب النفوس وتباعدها.الجو النفسي للمجموعة كان طيبا، بناءً عليه نهض أبو ناصر لتحضير جهاز التسجيل ذي الصوت المجسم. انسابت بين أبخرة الدخان والأنفاس أنغام أقل ما نقوله عنها: منعشة متفائلة، فإذا بالأنثى بجانبي تطير بين سطور الكلمات وروح اللحن رغم استمرار جلوسها بجانبي.عيناها غائبتان، لقد أغلقتهما بخفة وعناد، وكأنها لا تريد أن تترك للمصادفة مجالاً في إدخال أي مؤثر خارجي إلى عقلها- فهي واعية حتى الآن.مع مرور الدقائق وإصرارها على الالتحام غدت بدون إرادة تتمايل تمايل الطربان. وكأنها جان، أو كأن عفريتا تلبسها، وجدتها تقفز بشكل فجائي لتتجه إلى وسط الغرفة حيث يتوفر حيز فارغ. أخذت تتمايل وكأنها قطعة واحدة مع المعاني المنسابة بقوة الشلال... لم تستمر طويلاً. فلم أعرف سبباً، إلا أن حديثا دار بشكل سريع بين شفتيها وعيون أخينا بالله أبو ناصر جعله يقذف إليها كوفيته، فتحتها بعناية، ربطتها بموقع جعلني أنا العجوز أُحار من أمري وأمرها معاً، لقد أدخلت الشكوك إلى قلبي بعد أن ركنت لها، وألفت روحها من حديثنا الهامس المشترك.عوضت علينا هذا التوقف المفاجئ بقفزات فنية جعلت كل شيء في الغرفة يتمايل معها.هي أمامي.توقفت أنا عن الحركة، عن التصفيق، عن الغناء، بل أردت أن أنفصل عن الصوت الذي يملأ الأذنين، حتى أستطيع أن أراها. لقد كانت أشبه بهندية ترقص في محراب المذبح... أو كناسك في جبال التبت يقوم بحركات القوة التي أوصاه بها أستاذه، ويمارسها كعبادة قبل هدف القوة والرياضة والجمال وغيرها من الكلمات.بعد نصف ساعة من هذه التأملات عادت إلى مجلسنا بكل شبابها وتألقها وأنفاسها المقطوعة، كنت أظنها قد أفرغت كل الشحنة «الكهرومغناطيسية»، ولكنها ما كادت أن تستوي بجلستها حتى فزعت، وكأنها قد لدغت، توجهت مرة أخرى إلى صحن المجلس. تناولت الكوفية، جعلت منها ثوبا أو وشاحاً يغطي شعرها ونصف وجهها، فلا نشاهد سوى عينيها المغلقتين باستمرار عندما ترقص.- ما الخبر؟سألت نفسي بصوت مسموع، فقال أبو سعود:- إنها تعشق كل ألحان السامري.بهذه الإجابة فهمت الأمور من حولي. استمر رقصها هذه المرة حتى آخر المساء.أما أنا فقد صرت بين ثلاث درجات من الوعي:فساعة أكون طرباناً من تناغم الموسيقى والغناء وتمايل جسدها. وساعة أخرى أصم حواسي عن كل ما حولي ولا أستخدم بشكل واعٍ سوى عينيّي لأتبصر بهما، ومنها كذلك، كل المعاني المطروحة في هذه الأمسية العجيبة. وأما الساعة الثالثة فهي عندما تتوقف لتحادث غيري فأكون بعيداً عن تأثيرها المباشر، فأعيد شريط ذكريات اللحظات الماضية وأسر في نفسي متسائلا: «أما زال هناك من يرقص وكأنه في معبد فرعوني أو هندوسي؟».
محليات - ثقافة
قصة قصيرة / تسامي...!
06:04 ص
| وليد خالد المسلم |