قال محافظ بنك الكويت المركزي الدكتور محمد الهاشل ان الصناعة المالية الاسلامية حققت تقدما ملموسا خلال العقد الاخير، وانتقلت من كونها صناعة حديثة العهد الى جزء مهم من النظام المالي العالمي، مؤكدا ضرورة تضافر الجهود في هذه الصناعة لوضع منظومة متكاملة الاركان بحيث تضمن توفير الهياكل والأطر التنظيمية والقانونية اللازمة لمزاولة أعمال وأنشطة الصناعة المالية الاسلامية على أسس رصينة ومحكمة، والعمل على تعزيز دور السلطات الرقابية وأنشطة الرقابة الشرعية فضلا عن إيلاء العناية اللازمة بعناصر التعليم والتدريب ورفع المستوى المهني للكوادر العاملة في هذه الصناعة.وركز الهاشل في كلمته خلال افتتاح المؤتمر الفقهي الخامس الذي تنظمه شركة شورى للاستشارات الشرعية على أربعة محاور: الاول: تزايد اهمية ومكانة الصناعة المالية الاسلامية وضرورة تطويرها، والثاني: التحديات والمخاطر التي تواجه تلك الصناعة وسبل تجاوزها، والثالث: حوكمة أنشطة الرقابة الشرعية والعمل على الارتقاء بها، أما الرابع: تجربة الكويت في مجال الصناعة المالية الاسلامية.واوضح الهاشل أن الصناعة المالية الاسلامية انتقلت الى مرحلة النضج الحقيقي واصبحت جزءا من الواقع المالي والاقتصادي العالمي، مشيرا الى أن التقديرات تفيد بان حجم السوق المالي الاسلامي مقاسا بحجم الاصول تجاوز الـ 1.7 ترليون دولار، مقارنة بنحو 150 مليار دولار في منتصف التسعينات، كما زاد عدد المؤسسات المالية الإسلامية ليتجاوز الـ 600 مؤسسة مالية إسلامية تعمل في أكثر من 75 دولة حول العالم، بالاضافة الى سوق الصكوك الذي شهد بدوره نموا ليبلغ حجم الاصدار نحو 140 مليار دولار في العام 2012 فقط.واعتبر الهاشل أن التدقيق الشرعي اللاحق أحد أبرز التحديات، إذ يتم عادة إسناد مهمتي الفتوى والتدقيق الشرعي اللاحق لهيئة الرقابة الشرعية في بعض المؤسسات المالية الإسلامية، وهو ما يتعارض بالطبع مع أسس حوكمة الرقابة الشرعية، داعيا الى وضع أطر مهنية واضحة ومحددة لمهام ومسؤوليات كل من الهيئات الشرعية والتدقيق الشرعي الداخلي، وترسيخ مبدأ استقلالية عمل هيئة الرقابة الشرعية لإفساح المجال أمام الهيئة الشرعية لإصدار الفتاوى والأحكام الشرعية وفق ما تقتضيه ضوابط الاجتهاد وشروط الافتاء دون أي مؤثرات على أعضائها من جانب الأجهزة الإدارية بالمؤسسة. وأكد الهاشل ان الحاجة تزداد للعمل على تهيئة السبل الكفيلة بتطوير قدرات وامكانات المؤسسات المالية الاسلامية حتى تتمكن من الاضطلاع بدورها المحوري في ترسيخ قواعد متينة لأنظمة مصرفية ومالية تتمتع بالتعددية والتنوع في ادواتها وانشطتها ما يعزز من مكانتها ضمن المنظومة المالية العالمية.وأضاف ان ابرز التحديات التي تواجه الصناعة المالية الاسلامية وجود رأي شرعي بما يتناسب مع مغزى المعاملة المالية وطبيعتها بحيث يكون نابعا من معرفة جلية بتوصيفها وابعادها ضمن رؤية شرعية رحبة ومتعمقة في استنباط الحكم الشرعي، مضيفا ان زخم المتغيرات والمستجدات المتسارعة التي تموج بها الانشطة المالية خصوصا الصناعة المالية الاسلامية يفرض المزيد من التحديات التي تستوجب شحذ الهمم وتكاتف الجهود لمواجهة تلك التحديات ايمانا بما نملكه من امكانات وقدرات. وأكد الهاشل أن الكيانات المصرفية والمالية الإسلامية لا تتعرض فقط في ممارسة أنشطتها لمختلف المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها مثيلاتها من الكيانات التقليدية، بل انها تنفرد أيضاً بمواجهة مخاطر أخرى ترتبط بتنوع وتعدد الأدوات المالية الإسلامية مع ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية الخاصة بها، وما يزيد من حدة هذه المخاطر هو محدودية أدوات التحوط المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية واللازمة لتخفيف المخاطر، معتبراً أن التجربة العملية أثبتت أن العامل الأكبر والمحدد لنجاح المؤسسات المالية الإسلامية يتمثل بشكل أساسي في قدرتها على إدارة تلك المخاطر بأعلى مستوى من الحصافة المهنية والكفاءة التشغيلية.ولفت الى أن الأمر يتطلب المضي قدما في تنفيذ البرامج الهادفة إلى الارتقاء بمستوى الحوكمة، والدفع في اتجاه تطوير أسواق مالية يمكن أن تستوعب مجموعة من الأدوات المالية الإسلامية، وبذل المزيد من الجهود الرامية إلى ابتكار وتطوير آليات مناسبة ومتنوعة وفعالة للتحوط ضد المخاطر، وقال ان أبرز الموضوعات المحورية التي يرتكز عليها تطور ونمو الصناعة المالية الإسلامية بشكل راسخ ومستدام، يتعلق بحوكمة أنشطة الرقابة الشرعية وسبل تطويرها والتي تتمثل في العدالة والمساءلة والشفافية وتحديد المسؤولية.ولفت الى أن أحد أبرز التحديات التي يواجهها العمل المصرفي والمالي الإسلامي هو محدودية توافر علماء الشريعة المتخصصين في فقه المعاملات من ذوي الدراية والخبرة المتعمقة بالمعاملات المالية، والمؤهلين لعضوية هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية، لاسيما مع النمو المتسارع في أعداد تلك المؤسسات.ودعا محافظ المركزي الى إطلاق حوار موسع بين جميع الأطراف والكوادر العاملة في مجال الرقابة الشرعية وما يتصل بهما يسهم بشكلٍ فاعل في رسم خارطة طريق، بمشاركة وقيادة الخبراء والمتخصصين من المؤسسات الشرعية والهيئات المنظمة والمعنية بوضع الأطر والقواعد الرقابية، بهدف تطوير مهنة الرقابة الشرعية وضمان وضع مهني لها يتسم بالتميز والفعالية على صعيد الضبط الشرعي لأنشطة ومعاملات المؤسسات المالية الإسلامية.واشار الى ان الكويت من أولى الدول عالميا التي عاصرت بدايات مبكرة لانطلاق الصناعة المالية الإسلامية، لتكون رافدًا رئيسا من روافد القطاع المصرفي والمالي، حيث تأسست أول مؤسسة مالية إسلامية في دولة الكويت عام 1977. وتوالى بعد ذلك إنشاء المؤسسات المالية الإسلامية، حيث يبلغ حاليًا عدد البنوك الإسلامية الوطنية المُسجَّلة لدى بنك الكويت المركزي خمسة بنوك، وفرع لبنك إسلامي غير كويتي، بالإضافة إلى إحدى وخمسين شركة استثمار إسلامية.النشميمن جهته قال رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشيخ الدكتور عجيل جاسم النشمي في كلمته أن تحديات المؤسسات الاسلامية تكمن في محدودية السيولة لديها، مقارنة بالبنوك والشركات العملاقة وشركات التأمين الكبيرة اضافة الى أن العديد من البدائل الشرعية لايزال تطبيقها أمراً عسيرا، كما أن المنافسة من خلال تلك البدائل الشرعية مقارنة بالمنتجات المالية التقليدية محدود للغاية.ونوه بأن المؤسسات المالية الاسلامية أثبتت قدرة كبيرة على مواجهة الأزمات المالية العالمية، ما جعلها تتبوأ مكانة كبيرة في الصناعة المالية العالمية، مستدلا على أن فرنسا ذات الحساسية الشديدة تجاه كل ماهو اسلامي أعلنت ترحيبها بالأدوات المالية الاسلامية من خلال الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية التي أصدرت قرارا بتقديم تسهيلات للمؤسسات الاسلامية والمتعاملين في الأسواق المالية الفرنسية.وافاد النشمي بأن عدد البنوك الاسلامية اليوم بلغ 22 بنكا في انكلترا، و3 في فرنسا، و4 في سويسرا، و2 في المانيا، بالاضافة الى فرع واحد في كل من روسيا وايرلندا وتركيا واليابان وأميركا.وبين أن الصين بدأت تفتح أبوابها أمام المنتجات المالية الاسلامية، حيث أعلن بيت التمويل الكويتي عن اصدار أو صكوك اسلامية لتمويل محطة الطاقة بقيمة 200 مليار دولار. وأكد النشمي أن منطقة الخليج قادرة على صناعة سوق مالية تكون مركزا لقطاع الصيرفة الإسلامية، ومن بين المشاريع المؤهلة تطوير المدينة الاقتصادية في شمال جدة بالسعودية بقيمة 27 مليار دولار، كما أن دبي وقطر والبحرين والكويت لديها القدرة على أن تكون مركزا ماليا اسلاميا.الجسارأما نائب رئيس اتحاد المصارف جسار دخيل الجسار فقال في كلمته ان الموضوعات المطروحة في هذا المؤتمر تكتسب اهمية كبيرة خصوصا في اطار النمو المضطرد للمؤسسات المالية الاسلامية التي اثبتت قدراتها القوية في تعبئة الموارد المالية من خلال صيغ استثمار وادخار متنوعة وفعالة. وتوقع الجسار ان يبلغ اجمالي الأصول المدارة في قطاع التمويل الاسلامي حول العالم نحو 2 ترليون دولار في العام 2014 اي بزيادة قدرها 150 في المئة عن حجمها في العام 2006، لافتا الى انه رغم هذا النمو السريع غير انها مازالت تمثل نحو واحد في المئة من اجمالي الأصول المالية في العالم.وأكد ضرورة السعي الحثيث للتعاطي الفعال مع التحديات التي ستواجه تحقيق النمو في هذه الصناعة على النحو الذي يمكن المعنيين من تذليلها.وتعزيز قدرات ومصداقية قطاع التمويل الاسلامي وفرص نموه وانتشاره على النحو المأمول والمتوقع.
اقتصاد
رعى افتتاح مؤتمر «شورى» الفقهي
الهاشل: التدقيق الشرعي يشكل أبرز تحديات الصيرفة الإسلامية
11:05 ص