سماء زرقاء فسيحة يمر بها موكب من سحب لاتنتهي تلال من ماء تتحادث في همسات ندية تنظر في شوق الى نسمات تتراقص في خفة تمد أيادي من هواء خفي تدغدغ بها تلك السحب التي تهتز في دلال وتسقط حبات من لؤلؤ إلى المجهول... شمس عذراء تخفي نورها الواهن خلف غلالة من غمام رمادي تتثاءب وتنزع شيئا فشيئا أحلام الليل المستكينة... نهر يتهادى يبعث بالموج كي يقبل شطآن لا ترتوي لها أعين من فيروز ترنو إليَّ في صمت مريب تدفعني لكي أحول بصري إلى الأفق الذهبي لأجد نفس الأعين ترقبني السماء الغيم الشمس وكل ماحولي ينظر إليَّ في ترقب أكاد أرى أسئلة قديمة تتفجر من حولي هل أنت حقا ترى مالايجب أن يرى؟ تكومت عليّ ذاتي وعدوت إلى كل مكان أحمل السر الرهيب داخل ثنايا النفس أهدهده في حنان و كأنه طفل يخشى قدوم أشباح الليل.أسدلت جفوني حتى أتوارى من تلك الأعين التي لا ترى سواي حتى تهادى على سمعي من ينادي بصوت خافت، ثم تعالت تلك الأصوات من كل مكان من حولي ورأيت السحب البيضاء وهي تعدو إلى الأفق البعيد وحمرة بلون الدم القاني تصبغ السماء الحزينة حتى الشمس رأيتها تفتح عينيها في دهشة وترقب لتبعث بألسنة من لهيب وأقبلت أشباح لا لون لها تشبه البشر تصرخ وتعدو بين بيوت تتهاوى، كرات من حديد تتساقط من العدم... برق له ألف لون... تسمرت عيناي وأنا أرى مايشبه بيتي... نعم هو بيتي... الباب الخشبي المتهالك يحترق... النوافذ تقف وحيدة يملأها دخان أسود، وها هي بائعة الليمون البدينة وهي تلطم خديها، رجال الحي ونساؤه وحتى البهائم تتنافس في ما بينها من يلفظ أنفاسه أولا.لم أهتم بكل ما يجري من حولي وأخذت أجول ببصري نحو ذلك البيت البعيد الذي يقف شامخا منذ القدم وله أسوار رشيقة تزينها مشربيات لها من خضرة الجنة ما يسترها عن أعين الرقباء. كان الجحيم يطل برأسه وقرونه وفحيحه الذي لا ينقطع من كل فتحات ذلك القصر العالي... رأيتها وهي تنظر إلى في لهفة ممزوجة برعب لا يوصف... أشارت إلى كي أمتطي جوادي الناصع وأساله أن يطلق جناحيه، امد إليها كل ما لدي من أطراف واحملها كي نفر معاً من المكان واللهيب والموت. ثم تداعى كل شيء وتباعدت الشخوص والبيوت وألسنة الجحيم القانية ولم يتبق إلا تلك السماء الفيروزية التي لم تعد تحفل بأي من ساكنيها من السحب والنسائم.لملمت ثيابي على عجل وأخذت أعدو وأعدو حتى جاوزت السوق... رأيته يمتلئ بصنوف من البشر... تركتهم من خلفي وهم يتكالبون ويتصايحون حتى بدت لي الحارة التي يقبع بها بيتي هادئة مستسلمة لحكم الأقدار... تلفت في لهفة... وياللعجب وجدت كل شيء في مكانه الدور والناس وحتى بائعة الليمون البدينة لاتزال تلتهم ما يقع عليه يداها... ثم وجدت نفسي أسعى في شوق حتى أصل إلى بيتها وأطيل النظر إلى شجيرات اللبلاب التي كنت أحسدها في قربها من تلك النوافذ الخشبية التي كانت تتسربل في حياء بأغصان وارفة الظلال... أفقت من ذلك الحلم النهاري... وأخذت طريقي إلى بيتي وأنا أجتر همومي التي كانت ترافقني في درب حياتي.كانت الأيام القدامى تقف أمامي وهي حبلى بتلك الرؤى... كنت من الذين يرون ما لا يجب أن يري... طفلا صغيرا ينظر إلى مرآة العمر ويرقب ما سوف تلده الأيام، لم تفارقني صورة أبي وهو يجثو على ركبتيه أمام لصوص يهيمون في صحراء قاحلة... أسرعت إلى أمي أقص عليها ما رأيت، ارتعدت في سكون ثم ابتسمت في هدوء طالبة مني أن أنسى تلك الأوهام التي كانت تمزق شراع حياتي... لم تكن تلك أول أو آخر تلك الرؤى التي تنبع ولا شك من الجحيم.ومرت السنون وأنا أرى أمي في ركن قصي تندب زوجها الذي ذهب... حتى رأيتها وهي تقف على شاهد قبر كئيب نقشت عليه الأقدار حروف اسمها العزيز... وهكذا صرت وحيدا تتجاذبني صيحات وأشباح تسكن الغد.كانت قافلة الأيام تسير متباطئة رتيبة... تكاد تقسم أن العمر ليس لديه إلا ثوب واحد لا يرتدي غيره... الصبح لا يريد أن يفيق... والشمس كسلى... حتى... جاء من ينادي حي على الجهاد فإن الفرنسيس(1)، قد غزوا البلاد... لم ندرما نفعله جميعا سوي... التفرس في وجه الأيام الخرساء.كنت أصحو كل صباح وأحلم بأن لا أحلم... كنت أخطو في السوق وأجول ببصري هنا وهناك وأري حكايات قديمة وجديدة تسكن ما حولي. ها هو سلامة العطار يخشى من الشياطين التي استجلبها من خرائب الشر، وها هي بائعة الجبن التي قدمت من ريف الجيزة وهي تسرق الأطفال التائهين في زحام المولد، حتى ذلك المملوك الذي يقف في زهو وهو يرتدي عمامة لها كل الألوان... أراه وهو يسير مقطوع الرأس، حدثت نفسي مرارا بأن لها حاضرها الذي لا يجب أن تتجاوزه... وأخبرتني بدورها أن علي الفرار من موكب الهائمين.كنت أهز رأسي علها تنفض ما علق بها من رؤى لا تعرف لها زمنا... لكني كنت أرى، وأرى... حتى لا أستطيع أن أرى.أقدام تقترب... روائح تهب تحمل طيبا له فواح... كانت هي... وهي دائما، تأتي كل يوم تحمل طعام أبيها الذي أعمل في دكانه وتجلب كذلك كل ما يقتات عليه فؤادي، تلقي إلى بنظرات ليس لها صوت وأنوار بلا رقيب ثم... تذهب لتقف خلف الشباك حتى غروب الشمس، تسقى كل من يريد... الزهر... والأمل... والليل.ثم أدارت الأيام وجهها البالي وأبانت من عبوس الأقدار ما يثقل الأرواح... اصبحنا لنجد الفرنسيس، في كل مكان... الأسواق والبيوت حتى ما بين الخطى... كانوا يتنفسون المكان ويحتضنون كل زمان.ثم جاء ذلك الصباح الذي بدت فيه القاهرة ترتدي ثيابا من أمل (2)... تجمع كل عشاقها وقد أقسموا بأن العرس قد اقترب، ثم جاء من ينادي أن هلموا لشرب كؤوس النصر... رأيت الأسواق تفيض بمن يحلم وبمن لا يريد أن يحلم... ثم تعالت الصرخات... نظرت حولي لأجد ذلك البرق وهو يلون السماء باللهيب وتلك الكرات الحديدية التي تنهال على بيوتنا وأسواقنا تأكل منها ماتريد... ألسنة من نار تصبغ كل ما يتحرك... كل ما عرفناه وعهدناه كان يتهاوى، هرعت إلى بيتي لأجده حطاما له لون الليل وخارجه تقف بائعة الليمون تندب من ذهبوا إلى طريق بلا نهاية... أسرعت إلى بيتها يحدوني الأمل... وجدته قد شارك من حوله من البيوت في الرقص داخل نيران لا تشبع.كان الموت يسرع ويدعو من يريد... وجدتها تقف بعيدا تشير هنا وهناك تتوسل في صمت... هرعت إليها أناديها... التفتت إلّي لم أدر ساعتها أين أنا... بل أين ذهب كل شيء... نور حياتي، لم يعد يبصرني، ضممتها إلى صدري... ربت على شعرها الذي كان يحترق... انتظرت وانتظرت حتى اختفى كل ما عدانا... وجدتها تنساب من بين يدي، أناديها ولا تجيب... حتى أسلمتها إلى الأرض... ولم يعد لي ما أناديه.ثم وجدتني أذهب كل يوم أنظر إلى السماء الزرقاء الباكية التي طردت كل السحب وأشارت إلى الشمس كي تجلس مستكينة ترقب مقدم الليل المهيب... وانتظر. حتى أراها وهي تقدم إليَّ في ثوب العروس تتهادى في خفة وتشير إلى أن اللقاء قد اقترب... ومازلت أنتظر.1- الفرنسيس هو الاسم الذي اطلقه المصريون على جنود الحملة الفرنسية على مصر 1798.2- هذه الأحداث تصور ثورة المصريين الأولى على الحملة الفرنسية بقيادة نابوليون بونابرت 1798.
متفرقات
قصة قصيرة / السر...
لوحة للفنانة رؤيا رؤوف
11:05 ص