نسائم بلا أنفاس تهب من جوف الماضي تناديني... تداعب أذناي... تجول داخل جسد قدم كل مالديه ليسترد نفسا تركها منذ زمن أسيرة رهن قديم، هناك عندما تتلاقى السماء المحزونة الباكية بصديق العمر ذي الأمواج الواهنه أقف، أمد يديّ على أمسح تلك الدموع التي تزين الأفق الشريد... تلفني رياح قادمة من المجهول، أسائلها... أتشممها علها تحمل شذا ضاع مني تحلم به روحي من قبل أن تحبو الأيام.جلست أنتظر تلك الدقات الخافتة التي كانت لا تمل وهي تقبل باب الكوخ الذي كان يحتوى أحلامي، تبسمت وأنا أرتدي ثيابا من أمل باهت، كان كل ما حولي يدعوني للنهوض ونزع ماكان يلفني من أدران الظلام الذي كان يودعني على غير عادته بلا ابتسامات.أغمضت عينيّ وأسلمت يديّ للنور القادم من وراء السحب التي كانت تقطر طيبا يلف ماحولي من جنات خضراء ذات تيجان شقراء... كان اليوم الأول من موسم الحصاد ذهبي اللون... مددت كفي تتلمس القمح الذي كان يتيعه عجبا، ينظر إليّ في حياء ويبتعد في صمت وشوق... ظللت أسبح في بحار صفراء حتى أسلمتني إلى شاطئ من فيروز... كان النهر يتدفق في سكون من لا يريد أن يسمع أو أن يرى، كنت أعرفه، كان يشفق على من تزاحم الآمال التي كانت تجول داخلي بلا رقيب لكنه في النهاية قبل أن أفترش الأرض وأحادثه بما أهوى، ظللت أنتظر بأن يجيب، وطال انتظاري حتى سمعت من يملأ الكون بأفراح لها ثياب من كل الألوان... كانت هي دائما هي تأتي قبلي وتأتي من ورائي... لاأرى إلا ظل الأمل الذي كانت تلقيه في وداعة على مطلع الشمس ونسيم الفجر وحنين الماء الى البحر.كانت ولم تزل نور العالم الخفي... لديها كل ما كان يهفو اليه فؤادي وكل من كان يحيا من حولنا... كنت اراها في كفي والأفق البعيد... كانت تسكن في كوخ يتيه على قصور الفرعون، كانت جارتي وجارة كل أطياف الافراح الهائمة التي تملأ أركان حياتي. كانت تستطيع أن تبدل النهار الزاحف على التلال الخضراء بليل يحمل لوعة الأحلام، نعم تفعلها وهي تسدل جدائل شعرها الحالك أمام نواظري، مازلت أراها وهي تجول فوق أماني العمر تأخذ بيدي لنلهو نحو الأفق. لاأذكر متى بزغت شمسها في سماء حياتي... كانت كالأهرام المقدسة التي تداعب الأيام ويغفو عندها الزمن.رأيتها...على ضفاف نهر الزمن تبث البهجة الحالمة تحت ظلال الأماني، مددت نواظري إلى ذلك العالم الذي كان ينبت من حولها... ودعوتها لنغترف من موكب الأفراح التي كانت تنساب من بين جدار الأيام.كان كل ما حولنا يعلم أن روحينا ستتعانقان عندما يكتمل البدر... خضرة الحدائق وصفرة الصحاري، آلام الفجر الوليد وآمال النهار الزائل... ضحكات الشمس وبكاء السحب... كنا كمن ينادي كائنات العالم الخفي لتلهو معنا في عرسنا الذي كان يولد من بين ثنايا الأيام.ومرت شموس وأقمار سراعا ترسم حروفا على صفحة العمر النضير، حتى هبت على قريتنا رياح من الجنوب تحمل دقات من بعيد... كانت صفحة النهر المقدس تنساب بلا صوت إلى المجهول، بينما كانت أشرعة ذات ألوان تحدوها نغمات سماوية تنساب نحو أكواخنا التي نسجت من طين لكنها كانت تزهو بصمت فريد.ثم ساد السكون المريب، نظرت حولي لأجد كل الكائنات من حولي ترنو في لهفة نحو اليم الذي ابتلع حمرة الشمس الغاربة... حتى أفراس النهر صمتت وفتحت أفواها ذات أسنان كالحراب... واصطفت تماسيح الضفتين لتحيى مقدم من يملك الأرض ومن عليها، كان مركبة الفرعون الذهبية تشق عباب الماء في كبر وتيه لاتبالى بمن يتأوه في حسرة... أو من يرنو في عجب... وفوق متنها نهضت ثلاث صفوف من أعمدة اللوتس الزرقاء والخضراء تراكبت فوق بعضها البعض لتنفرج عن فتحات يسكنها الضياء وفي مقدمتها زهرة كسيت بالذهب اللماع.ثم تبدو مقصورة الفرعون بستائرها التي أعطت الحرير اسمه وملمسه... غلالة تنكشف عن عرائس تتناغم وهى تستر راقصات تلهو بأنغام تتباعد وتتدانى... ثم تهيم نحو الأفق، وبلا مقدمات... انطلقت ترنيمات إلى الفضاء الخالي تجاوزت أسماع كل من في القرية ثم ترنحت داخل الدور والمعابد والزمن، تنبع من صفين من الكهنة حليقي الرؤوس ذوي الثياب التي تقذف بالأنوار، توالت الترانيم والابتهالات إلى سيد هذا العالم... الذي يجلس على عرشه الذي يلتحف بالضياء وعلى هامته يزهو تاج القطرين... الفرعون الذي كان يمسك بالصولجان والسوط على صدره العريض ويلف الكون بنظرته التي كانت تهتك أستار عالمنا الصغير.أرهفت أذني حتى أتسمع مايشدو به الكهنة الكبار لكن روحي كانت ترنو إلى عالم قصي... رأيتها وهي تتلقت كظبية خرساء يتبعها من لا يريد الا ان ينالها... جزعت، وصرخت بلا صوت، مددت يدي حتى أسكنها خلف جدران روحي، ثم رأيته يقدم بلا وجل يمد إليها نواظره ذات الأنياب، عيناه تناديان الأبد، يرسل زفرات لها سلاسل، تضمها، تقتنصها، تبتلعها، ثم يهبط الظلام سريعا على ماتبقى لي من أيام وتشحذ شمس حياتي انفاس أحزاني.مرت الحوادث سراعا... يرفع الفرعون بصره المقدس... تشرق هي... وأصرخ أنا..يهمهم الفرعون آتوني بها، يضطرب الكون وتسقط الشمس وتزمجر رياح الأقدار، لحظات تمر لأراها راكعة على قدميه تبكي وقد غادرها بريق الأمل... أغلقت جفوني وأشرت إلى النائحات اللاتي نشرن شعورهن وبدأن في إهراق دموعي على سطور كتاب العمر.وهدأ كل شيء... وتداعت الآهات الخافتة التي أيقنت بوداع من أهوى التي أسلمتني إلى عالم يحيا فيه اليأس حرا طليقا، توسلت ببصري الحبيس ابحث عن ظلها الذي كان يغيب... اطفأت ماتبقى لي من ضياء ولملمت طيات روحي ونظرت إلى وراء... رأيتها تقف خلف غلالة ذات بريق وهي تشدو بلحن يذيب القلوب... يشير إليَّ الصمت بكلتا يديه... يرسم حروفا بائسة على شفاهي... كانت تودع كل ماكنا نحيا به ومعه... تحوطها أنفاس الفرعون، ويلفها ظلام اليل.