| د. علي العنزي |
كلفت قبل أسابيع مضت بمراجعة عمل مسرح/ شعري/ وطني...
كان لدي هاجس أن يأخذ النص طابعا بروبغانديا، على غرار أغلب أعمالنا الوطنية!**
اضطررت، أمام انحسار تجربتي في مجال المسرح الشعري، للعودة إلى تجارب المسرحية الشعرية في الكويت والوطن العربي....
وكان من ضمن ما قرأت مسرحية مصرع كليوباترا لأمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932)... التي استوقفتني كثيراً من بين جملة النصوص المسرحية الشعرية!
فعلى الرغم من تأثر شوقي بالنهضة الأدبية التي بدأت بمصر في النصف الثاني من ق 19، حيث التقت وانصهرت في كيانه مخلفات ثقافات عديدة، كالفرعونية والعربية واللاتينية والكردية والتركية (والده كردي من السليمانية في العراق وأمه تركية الأصل وجده شركسي وجدته يونانية)، فقد اشتهر شوقي كشاعر بلاط، رغم أنه كتب من الوجدان في كثير من المواضيع، فهو نظم في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، ونظم في الشوق والغزل، كما نظم في مشاكل عصره مثل مشاكل الطلاب والجامعات، ونظم أيضاً (شوقيات للأطفال) وقصص شعرية؛ بمعنى أنه كان ينظم مما يجول في خاطره، معبرا عن عاطفة الفرح والجرح، وعواطف الحياة المختلفة.
كثيراً ما قيل أن اللحظة التي تحكمت في توجيه طاقة شوقي شاعراً مسرحياً، هي فجر النهضة المسرحية منذ عهد الخديوي إسماعيل حتى عهد الملك فؤاد، حيث تأثرت نفسيته بالبلاط الذي نشأ فيه، وتربى تربية مترفة، وأخلص للعرش الذي شمله برعايته فأخلص له.
وعلى الرغم مما سبق، فإن مسرحية كمصرع كليوباترا، لم تكن لتلميع البلاط البتة، بل لاحظت خلال قراءتها، أن شوقي قصد إلى إيقاظ الوعي القومي والوطني المصري فيها، لربما احتجاجاً على الاحتلال الانجليزي لمصر، أو نفي زعماء مصر ومفكريها... لا أعلم!
كليوباترا التي لطالما صورها الغرب كمهوسة بالجنس متنقلة بين أحضان يوليوس قيصر ومارك أنطونيوس، تدوس عند شوقي على قلبها مفضلة صالح مصر، حين التحم الأسطولان المصري بقيادته، والروماني بقيادة أوكتافيوس: تقول كليوباترا
كنت في مركبي وبين جنودي... أزن الحرب والأمور بفكري
فتأملت حالتي مليا... وتدبرت أمور صحوي وسكري
علم الله قد خذلت حبيبي... وأبا صبيتي وعوني وذخري
موقف يعجب العلا كنت فيه... بنت مصر وكنت ملكة مصر!
هذا الموقف البطولي/ القومي ذو العاطفة «الكلاسيكية»، النابع من دراسة شوقي في فرنسا وتأثره بشعراء المسرح الكلاسيكي كراسين وكورني، قد ظهر كثيراً في هذا النص، الذي لم يكن يشغله تأصيل الشعر المسرحي كجنس أدبي/ فني، بقدر اهتمامه بالتعبير عن الروح المصرية!
لقد فتن الشعراء بشخصية كليوباترا، كرمز لتحول مصائر الأبطال من مشارف المجد إلى مصارع الهزيمة، لكن الغربيين، كثيرا ما ألحوا على نزواتها وخضوعها لشهواتها الجسدية حتى أضاعت ملكها وساقت بلدها إلى استعمار روماني طويل!
أما شوقي فيقدم تفسيرا بعيداً عما ألفناه، جاعلا منها بطلة قومية، لجأت إلى الانتحار في لحظة يأس، معتبراً انتحارها، موقفاً قومياً جليلا قصدت به كليوباترا تجنيب وطنها عار الهوان، لو قدر للملكة أن تساق أسيرة إلى روما! تقول كليوباترا:
خلصت من رحى القتال ومما... يلحق السفن من دمر وأسر
فنسيت الهوى ونصرة أنطونيوس... حتى غدرته شر غدر
وهو الذي ضيع العروش وضحى... في سبيلي بألف قطر وقطر!
كان الواقع السياسي أيام شوقي، مماثلا إلى حد كبير بالشد والجذب الدائر حاليا في مختلف أرجاء الوطن العربي، سعياً لاستكمال الوعي العام... فهل تجدي نفعاً، مسرحية/ شعرية/ كويتية/ بروباغندية؟ أشك في ذلك!
* أستاذ النقد والأدب
aliali2222@hotmail.com
كلفت قبل أسابيع مضت بمراجعة عمل مسرح/ شعري/ وطني...
كان لدي هاجس أن يأخذ النص طابعا بروبغانديا، على غرار أغلب أعمالنا الوطنية!**
اضطررت، أمام انحسار تجربتي في مجال المسرح الشعري، للعودة إلى تجارب المسرحية الشعرية في الكويت والوطن العربي....
وكان من ضمن ما قرأت مسرحية مصرع كليوباترا لأمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932)... التي استوقفتني كثيراً من بين جملة النصوص المسرحية الشعرية!
فعلى الرغم من تأثر شوقي بالنهضة الأدبية التي بدأت بمصر في النصف الثاني من ق 19، حيث التقت وانصهرت في كيانه مخلفات ثقافات عديدة، كالفرعونية والعربية واللاتينية والكردية والتركية (والده كردي من السليمانية في العراق وأمه تركية الأصل وجده شركسي وجدته يونانية)، فقد اشتهر شوقي كشاعر بلاط، رغم أنه كتب من الوجدان في كثير من المواضيع، فهو نظم في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، ونظم في الشوق والغزل، كما نظم في مشاكل عصره مثل مشاكل الطلاب والجامعات، ونظم أيضاً (شوقيات للأطفال) وقصص شعرية؛ بمعنى أنه كان ينظم مما يجول في خاطره، معبرا عن عاطفة الفرح والجرح، وعواطف الحياة المختلفة.
كثيراً ما قيل أن اللحظة التي تحكمت في توجيه طاقة شوقي شاعراً مسرحياً، هي فجر النهضة المسرحية منذ عهد الخديوي إسماعيل حتى عهد الملك فؤاد، حيث تأثرت نفسيته بالبلاط الذي نشأ فيه، وتربى تربية مترفة، وأخلص للعرش الذي شمله برعايته فأخلص له.
وعلى الرغم مما سبق، فإن مسرحية كمصرع كليوباترا، لم تكن لتلميع البلاط البتة، بل لاحظت خلال قراءتها، أن شوقي قصد إلى إيقاظ الوعي القومي والوطني المصري فيها، لربما احتجاجاً على الاحتلال الانجليزي لمصر، أو نفي زعماء مصر ومفكريها... لا أعلم!
كليوباترا التي لطالما صورها الغرب كمهوسة بالجنس متنقلة بين أحضان يوليوس قيصر ومارك أنطونيوس، تدوس عند شوقي على قلبها مفضلة صالح مصر، حين التحم الأسطولان المصري بقيادته، والروماني بقيادة أوكتافيوس: تقول كليوباترا
كنت في مركبي وبين جنودي... أزن الحرب والأمور بفكري
فتأملت حالتي مليا... وتدبرت أمور صحوي وسكري
علم الله قد خذلت حبيبي... وأبا صبيتي وعوني وذخري
موقف يعجب العلا كنت فيه... بنت مصر وكنت ملكة مصر!
هذا الموقف البطولي/ القومي ذو العاطفة «الكلاسيكية»، النابع من دراسة شوقي في فرنسا وتأثره بشعراء المسرح الكلاسيكي كراسين وكورني، قد ظهر كثيراً في هذا النص، الذي لم يكن يشغله تأصيل الشعر المسرحي كجنس أدبي/ فني، بقدر اهتمامه بالتعبير عن الروح المصرية!
لقد فتن الشعراء بشخصية كليوباترا، كرمز لتحول مصائر الأبطال من مشارف المجد إلى مصارع الهزيمة، لكن الغربيين، كثيرا ما ألحوا على نزواتها وخضوعها لشهواتها الجسدية حتى أضاعت ملكها وساقت بلدها إلى استعمار روماني طويل!
أما شوقي فيقدم تفسيرا بعيداً عما ألفناه، جاعلا منها بطلة قومية، لجأت إلى الانتحار في لحظة يأس، معتبراً انتحارها، موقفاً قومياً جليلا قصدت به كليوباترا تجنيب وطنها عار الهوان، لو قدر للملكة أن تساق أسيرة إلى روما! تقول كليوباترا:
خلصت من رحى القتال ومما... يلحق السفن من دمر وأسر
فنسيت الهوى ونصرة أنطونيوس... حتى غدرته شر غدر
وهو الذي ضيع العروش وضحى... في سبيلي بألف قطر وقطر!
كان الواقع السياسي أيام شوقي، مماثلا إلى حد كبير بالشد والجذب الدائر حاليا في مختلف أرجاء الوطن العربي، سعياً لاستكمال الوعي العام... فهل تجدي نفعاً، مسرحية/ شعرية/ كويتية/ بروباغندية؟ أشك في ذلك!
* أستاذ النقد والأدب
aliali2222@hotmail.com