«أبشع مخالفات القوانين ما يرتكبه مشرعوها ومنفذوها بما يسببه ذلك من فقدان الثقة والقدوة غير الصالحة للمواطنين»، الشيخ جابر الأحمد رحمه الله.
( 1 ) في النطق السامي بمناسبة افتتاح دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني عشر، وضع صاحب السمو الأمير معالم المرحلة المقبلة، ورسم الخطوط الحمراء التي لن يسمح الحكم الحكيم بتجاوزها.لا نبالغ إن قلنا إن خطاب سموه هو الأهم في مضمونه وتوقيته، فمن ناحية التوقيت يأتي الخطاب السامي ليدشن صفحة جديدة في الحياة السياسية الكويتية، بعد أن اضطر سموه لحل مجلس الأمة، بسبب استحالة التعايش بين المجلس والحكومة السابقين. واليوم هناك مجلس جديد وحكومة جديدة، وبالتالي يجب أن تكون هناك علاقة جديدة تطوي المسار التأزيمي السابق.
( 2 )إن ما جاء في خطاب صاحب السمو الأمير كان بسبب تلك الممارسات السابقة لبعض نواب المجلس السابق، وابتداء البعض من نواب المجلس الحالي سلوك المسار التأزيمي ذاته قبل دخولهم قاعة عبد الله السالم.لا ريب في أن صاحب السمو الأمير قد اختار كلماته بكل دقة وعناية، وهو ما يكسب كلام سموه أهمية أكبر، خصوصاً وأن ذاك الديبلوماسي العريق والسياسي المحنك يتحمل مسؤولية الوطن والدولة، وعليه أن ينظر لما يجري داخل البلاد وفي الإقليم والعالم بنظرة شاملة متكاملة، لذلك فإن سموه يعرف دقة المرحلة وخطورة الأوضاع الإقليمية والدولية، وهو ما لا يدركه بكل أسف بعض ممثلي الأمة من المأزومين والمتأزمين والمؤزمين بفعل إرادتهم.
( 3 )يعي صاحب السمو الأمير حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، ومتى عليه بالتحديد أن يتدخل حكماً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وليرسم بالتالي مسار العلاقات بينهما تصحيحاً وتصويباً لما فيه مصلحة الوطن والمواطنين، وأوضح سموه أنه كان لزاماً عليه اتخاذ قرار حل مجلس الأمة السابق إزاء مظاهر الانحراف والتجاوزات التي باتت تهدد مصلحة الوطن.ما من شك أن أول طريق علاج أي مشكلة الاعتراف أولاً بوجود مشكلة، وتحديد المشكلة ثانياً، لذلك شخص سموه بكل اقتدار المرض الذي أصاب التجربة الديموقرطية الكويتية، فنقد وانتقد ما ساد المرحلة السابقة من تصرفات مسيئة وبسبب ما ساد المرحلة السابقة: «من تهديد وتصعيد وتشكيك وتدنٍ في لغة الحوار، وتطاول على الآخرين واندفاع في العمل البرلماني إلى غير أغراضه». وقد وضع سموه اليد على الجرح حين قال إن ما يثير التساؤل: «هو ما برز أخيراً من مظاهر مستجدة تمثلت في استمراء مخالفة القانون والتحريض على تجاوزه».وقد ذكر سموه أنه نبه مراراً وتكراراً من مخاطر الخروج عن الثوابت الوطنية، ومن مغبة الاستقواء بغير القانون، فأكد على الخطوط الوطنية الحمراء وتعهد: «من منطلق المسؤولية أننا لن نسمح لكائن من كان، وتحت أي ذريعة أن يمس المصلحة الوطنية لتبقى الكويت محصنة ضد أي فوضى أو فتنة أو خراب».وكان في تشديد سموه على أن تعيين رئيس الوزراء هو اختيار سموه وقراره: «ولا يجوز لأحد التجاوز عليه أو التدخل فيه»، تذكرةً لمن نسي حدود حقوقه وواجباته، وذلك وفقاً لأحكام الدستور الذي هو الحكم في الفصل بين السلطات في الصلاحيات والمسؤوليات.
( 4 )بعدما حدد صاحب السمو الأمير حجم المشكلة، وشرح للنواب وللرأي العام الكويتي عناصرها ومحدداتها، حدد طريق حل المشكلة ورسم الخطوط العريضة لعلاجها، فكانت رؤية سموه أن التعاون يجب أن يحل محل الاختلاف: «حتى لا تسير الأمور في غير الطريق الذي نتمناه، وتضيع المشاريع التنموية المستهدفة في زحمة الخلافات والأزمات السياسية»، وهو ما على الجميع في الحكومة والمجلس أن يعملوا به تلافياً لتكرار ما جرى سابقاً، ووصولاً إلى مصلحة البلاد والعباد، فالتعاون كما يراه سموه: «حوار خلاق وعمل دؤوب من أجل بلوغ المأمول من الغايات والمقاصد، والاختلاف والجدل مدعاة للخذلان والتخلف».فكانت دعوة سموه إلى الالتزام بالقانون بديلاً عن تجاوزه، والارتقاء بالمصلحة الوطنية العليا على ما عداها من مصالح ضيقة، واستبدال مظاهر التصعيد والتأزيم وتدني لغة الحوار بالرغبة الجادة بالعمل والبناء والحوار الإيجابي الراقي، كما تمنى على الجميع تحكيم العقل والضمير في تقويم التجارب السابقة، والالتفات إلى ما يجري حولنا استخلاصاً للعبر والدروس في رسم طريق المستقبل، وتحقيق وتنظيم العلاقة التكاملية بين السلطتين في إطار التوازن الدقيق بينهما.
( 5 )لقد رسم صاحب السمو الأمير معالم المرحلة المقبلة بكل موضوعية ومسؤولية، بعدما حلل ما سبق وشخّص الواقع الحالي، وبالتالي فقد أصبحت الكرة الآن في ملعب السلطتين اللتين عليهما ترجمة النطق السامي إلى روحية سلوك ومنهج عمل يتصرفان وفقه.ويبقى المقبل من الأيام هو الحكم في ما إذا كان البعض قد فهم النطق السامي وأدرك ما احتواه من حكمة الحكيم ومواعظ الحليم.ولأن اقتران القول بالعمل لازمة للنجاح، فإن على نواب الأمة ووزراء الحكومة أن يعملوا بما قال به صاحب السمو الأمير تحقيقاً لمقتضيات المصلحة العامة، وإلا فقد أعذر من أنذر، كما تقول الحكمة. خالد عيد العنزيكاتب وصحافي كويتي Al_malaas@yahoo.com