|بيروت ـ من محمد دياب|

تبدو ذكريات «سنة الأوتوماتيك»، وأفران شارع بلس في بيروت، واضحة على ملامحه، هو الجنوبي الآتي من حي البياض في النبطية، الذي لا ينتمي إلا لما قرأ، لا إلى موجة أو جيل. يشعر بدنو أيامه الزائدة، التي مر بها جده فكانت رواية. يلملم ما تبقى له في بناية ماتيلدا التي هدمت، ولم تعد إلا صفحات وعنواناً لإحدى روايته. الروائي حسن داوود أحد أهم وأشهر الروائيين اللبنانين والعرب، ترجمت رواياته إلى الفرنسية والإنكليزية، ليدخل باب العالمية. يعترف بأنه سعيد ومهتم بترجمة أعماله، لكن تواضعه يطغي على حديثه، فتشعر بأنك تتحدث مع شخص تعرفه منذ سنين طويلة.حسن داوود الروائي، ومسؤول الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة المستقبل «نوافذ»، أصدر روايات «بناية ماتيلدا» و«سنة الأتوماتيك» و«غناء البطريق» و«روض الحياة المحزون» و«ماكياج خفيف لهذه الليلة» و«لعب حي البياض»، ومجموعتين قصصيتين هما «تحت شرفة أنجي» و«نزهة الملاك».

• كم من الضروري أن تتماهى مع الشخصيات وخصوصاً أنك تتحدث بألسنة مختلفة منها لسان أمك في «لعب حي البياض»؟ـ أنا الآن في الرواية الجديدة التي هي قيد الكتابة الآن. الرواية تجري في خمسة فصول، أربعة من هذه الفصول يجري كل منها بلسان إحدى الشخصيات. الفصل الأول يرويه أحد أبطال الرواية الذي هو عازب، والثاني على لسان شخص ثان، والثالث بلسان فتاة، والرابع بلسان شخص مختل عقلياً. نحو 70 أو 80 صفحة طبعاً لست سباقاً إلى ذلك فقد كتب وليم فوكنر ذلك عن لسان بنجي في الصخب والعنف لكن دائما أن تضع نفسك في مكان آخرين يبدو الامر آنذاك كأنك اهتديت إلى موضع من الإختلاف والإبداع معاً إذ أنك اهتديت إلى ما لست أنت إلى ذاك الفارق بينك وبين من يروي أو من تروي أنت بلسانه هذا الإلتحام بينك وبين من تروي بلسانه هو يحرض على بدعة ما على أفكار من نوع خاص لا أجد أنها ممكنة أن كان الروائي واقفا على مسافة من شخصياته جميعا ويتكلم بلسانها جميعاً.• هل تتألم بسبب تألم احدى الشخصيات؟ـ نعم، ولا تنس منذ أن كتبت عن جدي في أيام زائدة صار هو ما كتبته عنه وليس ما كان عليه حقيقة أمي. في «لعب حي البياض»، أمي الحقيقية ما زالت صوراً منها تقاوم صورتها العامة في لعب حي البياض ولكن الشخصيات التي تكتبها تصبح كما هي مكتوبة أقرب الناس إليك وربما كنت أقل تعلقاً بجدي لو لم أكتبه في أيام زائدة.• أنت من كتاب جيل الحرب ولكنك في رواياتك دائماً ما تجاور الحرب أو تسير بمحاذاتها من دون أن تشكل موضوعاً أساسياً؟ـ طبعا في فترات كثيرة من عيشي للحرب كنت فقط أمامها وجها لوجه من دون وسائط ومن دون حياة تشغلني عنها وما إلى آخره. يقول باكونين ان البشر قادرون على الإعتياد على الحروب والمجاعات والأوبئة أظن انه يقصد بذلك أن الحياة تستمر وتكون لها صيغة عيش متنوعة حتى في ظل الحروب والمجاعات والأوبئة نحن في الحرب توظفنا وعملنا وأنجبنا أولاداً ومزحنا وتخاصمنا وسعدنا وزعلنا وغيرنا منزلنا مرة ومرتين وأثاث بيتنا مرات وحتى سيارتنا، لأقول أن الحياة مختلطة بالحرب ومتسللة إليها. في إعتقادي أنه ينبغي أن يلاحظ أن الحرب ماثلة في ما كتبت لأنها موجودة في الظل، في الواجهة في الطرف في الهامش وفي الأساس في ما أظن كانت دائما موجودة وإذا عدنا إلى الكتب وجدناها في «بناية ماتيلدا» و«غناء البطريق» و«نزهة الملاك»، وثمة نصوص أخرى كتبتها عن الحرب ولم تنشر. ورواية «روض الحياة المحزون» هي رواية من خيالات الحرب ومن تواريخها حيث تدور الرواية عن أحوال قرية تقاتل أهلها وذبح بعضهم بعضاً. أقول أن الحرب ليست موضوعاً قائما بذاته فالحرب اختلطت بحياتنا في العيش اليومي، في الغرام، في المهنة، إلى آخره، وغيرت هذه الأشياء. وفي أحيان تغيرك الحرب من دون أن تعرف. أتذكر دائماً ما كان يقوله لنا أصدقاؤنا الذين تركوا بيروت بسبب الحرب وكانوا يعودون لزيارتها مرة كل ستة أشهر أو كل سنة. كانوا دائماً يقولون تغيرتم كثيراً. هم يلاحظون ذلك ونحن كنا نقول بل أنتم الذين تغيرتم. ما أقصده هنا هو أن في حرب مديدة تقول أن هذه هي الحياة وليس للحرب إضافة عليها.• نشعر أن ثمة تشابها في الشخصيات في رواياتك أو تحديداً في «سنة الأوتوماتيك» و«بناية ماتيلدا» و«لعب حي البياض»؟ـ الحقيقة لم أفكر في هذا من قبل ولكن حين أتذكر هذه الشخصيات أرى أنها مختلفة. على سبيل المثال بطل غناء البطريق هو شخص معوق جسدياً ومعقد نفسياً. شاب في السابعة والعشرين من عمره، يقع في غرام طفلة. في مقابله، خذ مثلاً الشيخ في «أيام زائدة» الذي هو مختلف بسلطة بالجسم، وخذ مثلاً شخصية المرأة في «لعب حي البياض» وهنا يمكنك أن تسألني لماذا تختار شخصيات ألمت بها تشوهات أو نقصان في البنيان الجسدي أو الذهني ربما بسبب الحرب أيضاً ما كان ممكناً أن تتحول شخصية فاديا نصار في رواية ماكياج خفيف لهذه الليلة لو لم تصبها الحرب وتحولهاكذلك وداد معها في الرواية وكذلك هذا الشاب المعوق في رواية «غناء البطريق» الذي ظل مع أبيه وأمه ينتظر سنوات وسنوات حتى تبنى مدينتهم كي يرجعوا إليها.• وكأنك مثل الرسام الذي يبقى يرسم اللوحة ذاتها طوال عمره هل تكتب الرواية ذاتها بأشكال مختلفة؟الأساس الذي تبنى عليه الشخصيات الأساس التعبيري واللغوي والتخيلي والذهني ربما يكون مشتركاً بين ما يكتبه الكاتب في كتبه المختلفة، كثيرون من الكتاب يقاومون مقاومة جبارة ما يعتبرونه تكرارا لما سبق لهم وكتبوه وأظن أني من هؤلاء الذين يخافون أن يخطوا الشيء نفسه مراراً.• ما الذي يختاره حسن داوود من بين روايته لتمثل عمله الفني؟ـ للحقيقة أجدني أحيانا محتفظا بقسم أساسي في غناء البطريق وهو القسم الذي أظنه لم يصل إلى قراء الرواية يعني الرواية حين يظل قسم منها منغلق على نفسه ولا ينكشف للقارئ يظل هذا القسم محتضنا من الكاتب ما أريد أن قوله ان غناء البطريق لانها رواية غير سهلة القراءة ولم تصل كاملة إلى الكثير من قرائها أجدني دائما راغباً في قراءتها أنا نفسي حيث أنها أكثر أعمالي الكتابية إكتمالاً لناحية مستواها الكتابي والأدبي.• نلاحظ أن ثمة نحتاً وجهداً وتعباً في كتابك في السرد والتركيز على التفاصيل لدرجة نقول انك، بعد هذا الكتاب، ربما ستتوقف عن الكتابة؟ـ صحيح، ودائما ما تحصل. أعرف أنني صعب القراءة. كتبي صعبة وليست في المتناول السهل. أعلم ذلك وأحياناً لا أخفيك أجدني أقول لنفسي أنني يجب أن أكون أكثر سهولة، لكن هذا أنا.• هل تنتمي إلى مدرسة معينة أم أن ثمة عوامل أخرى ساهمت في تكوين شخصيتك الروائية وفي تطوير أسلوبك بالكتابة؟ـ الكتاب الأميركيون حالياً والشعراء العرب سابقا كانوا أكثر الناس فراراً من الإنتساب إلى المدارس الأدبية، الفرنسيون يحبون مسألة المدارس الأدبية ودائماً عندما تصدر رواية جديدة تجد أن أسلوبية الرواية الجديدة و طريقتها تصبح مدرسة يعني يصبح لها كتابها الكثيرون. الكاتب هو كاتب فرد يكتب فرديته وتميزه وخصوصيته أسلوباً وحياتياً وفكراً وذكاءً. في أميركا عدد من المدارس وكل مدرسة يقيم فيها كاتب واحد وعدد المدارس هو عدد الكتاب. ربما أنا متاثر بكثيرين لكنني لست ابن مدرسة في الكتابة.حسن داوود لا يقرا دون أن يتخيل المشهد وكأن هناك أسلوباً سينمائياً في كتابتك؟أطن ذلك. بين عناصر التأثر التي دفعتني إلى الكتابة هي السينما. لم يستطع أحد من كتاب العالم الآن أن يقول لك أنه في منأى عن التأثر بالسينما. السينما لها من قوة التأثير ما للحياة نفسها، لذلك صعب أن تقول أنك كاتب من دون أن تحتوي كتابتك على مشاهد سينمائية.• ما هي العوامل التي ساهمت أيضاً في تكوين شخصيتك الروائية؟- حبي للكتابة وفشلي في كتابة الشعر وانتباهي في نصوص كتبتها أن هذه النصوص قد توصل إلى كتابة رواية، وهذ ما شجعني عليه آنذاك وأنا في عمر الشباب أصدقاء قرأوا هذه النصوص التي كانت تنشر في الصحف وقالوا لي هذه ليست نصوصا وإنما قصص، وهكذا كان.• في مقالاتك الأسبوعية التي نقرأها في ملحق نوافذ نجد أن ثمة شخصيات وأحداثاً لا مجرد تعليقات أو تحليلات. هل يدخل الروائي خلسة إلى الجريدة أم أن الصحافي يسرق من يوميات هذا الروائي؟ـ أنا لا أجيد كتابة أفكار مجردة. لا أجيد النقاش والسجال. في أحيان أجدني مضطراً الى الرد على قضية ما أو مسألة ما فابقاء السجال أو ابقاء الكتابة في مستوى الرد والرد المضاد والفكرة المضادة والفكرة المجردة والفكرة المجردة المضادة. لا أجدني قادرا ولا مقنعا نفسي أو الآخرين بذلك. دائما ينبغي أن يكون أمامي شيء يرى كأني أشاهده لكي أستطيع الكتابة وفقط حين أكون فقط أصف أو أروي أجد نفسي في الكتابة.• كتبك ترجم معظمها هل تعني لك الترجمة شيئاً أو هل يراودك حلم العالمية؟ـ ليس حلم العالمية بالحقيقة. طبعاً لن أكون على هذا القدر من التواضع الكاذب فأقول أن هذا الأمر لا يهمني بشيء. أنا أحب أن تترجم أعمالي وأن أُقرأ بلغات أخرى غير العربية. أحب أن أندمج بثقافات أخرى وليس فقط أن أُقرأ بل أن أتلقى ما يكتبه الآخرون وحين نكتب بلغات آخرى يتاح لنا أن نكون في قلب حركات أدبية آخرى غير الحركة الأدبية العربية ثم لا يغيب عن بالك أن هذا العالم العربي غير القارئ هو الذي يستهوي من القراءة مع منظومة أفكار لم تعد حية، تفضل طبعا ألا يكون هذا العالم مجال حضورك الوحيد.• لاحظنا جيلاً جديداً من الشعراء ولكننا لا نرى أن الأمر ذاته ينطبق على الرواية؟ـ معك حق وقد لاحظت ذلك ولكن في بلدان أخرى نجد أنها مقبلة على الرواية على عكس لبنان. ثمة بلدان عربية أخرى نلاحظ فيها حركة ناشطة لروائيين جدد ولكن في لبنان هناك عدد قليل من الروايات التي تابعتها في معارض الكتب ولكن كما تقول وكأن الرواية شهدت نهوضاً بات من الصعب الإستمرار فيه. بعضهم يجيب على هذا السؤال أن ليس الرواية فقط هي التي لم تنتج كتابا جدداً. أيضا الحقول الكتابية الأخرى مثل كتابة التاريخ وعلم الإجتماع والفلسفة. سمِّ لي مؤرخاً جديداً أو عالم اجتماع جديداً أو فيلسوفاً جديداً بينما. في زمن سابق كان لبنان رائداً في توريد مثقفين ومفكرين كبار. الآن أنا أراها أنها ليست أزمة رواية بل هي أزمة ثقافة في الحقيقة وأزمة حضور الثقافة في مجتمعنا. يبدو لي وكأن الحياة سائرة من دون أفكار خصوصاً في الجو السياسي القائم حين تسمع المهاترات والمناكفات السياسية والثلث زائداً واحداً أو الثلث ناقصاً واحداً. هذا الكلام عن الفروق بين السياسيين المتساجلين، هذا الكلام الضيق المنحصر في أضيق الزاويا ورغم ضيقه فهو مستمر منذ سنتين، وفي رأيي أن هذا يشل الأدمغة وهذا للأسف ما يحصل.• ما رأيك بحركة النقد وما الذي تقدمه للرواية؟ـ أنا أرى أن حركة الكتابة الروائية مستقلة عن حركة النقد تماماً، وهناك قطيعة بين المجالين وربما الكتابة الروائية تجري من دون هداية النقد.• لماذا؟ هل النقاد هم السبب؟ـ أنا تراني لا أجد نفسي مقبلاً على قراءة النقد الروائي وربما يعود ذلك إلى فترات سبقت كنت أجد فيها أن الكتابات النقدية التي تتناول الأعمال الروائية قاصرة على التعاطي مع هذه الأعمال وما زلت معتقدا أن النقد ليس عملية علمية كما يحب الكثير من النقاد أن يقولوا. النقد هو كما يقول نورتروب فراي، يكون جديرا بالقراءة إذا كان مبدعا كما الأدب نفسه، أي أن يكون تعليق نص على نص، أي أن تكشف من خلال كتابتك النص عن كوامن قد تكون مخفية أو غير ملموسة في هذا النص الأدبي الذي يتعرض للنقد.