| عبدالعزيز الكندري |
الأطفال هم أكثر الناس معرفة بالفرح والطريق إليه، بل وهم من أمهر صناع الفرح، حتى أن مشاهدة الأطفال تجعل الإنسان في سعادة وفرح بسبب العفوية التي لديهم، والفرح يحبه كل شخص سوي، والفرح هو في الحقيقة في متناول الجميع بلا استثناء ولا يحتاج إلى تعقيدات الحياة المعاصرة التي تفننت في توفير سبل الراحة لكنها لم توفر الحياة المستقرة الهادئة، والبعض يعتقد بأن «المال» هو السبب الرئيس للفرح والسرور وهو ليس كذلك، قد يكون وسيلة لكنه ليس السبب في الفرح، لأن السعادة والفرح ينشآن من داخل النفس الرضية الواثقة بنفسها، ولا تغريها الأمور المادية.
والإنسان في هذه الأيام مع زحمة الحياة والمسؤوليات لا يلتفت إلى مثل هذه الأمور خصوصا مع تقدم العمر، مع أنها مهمة للأسر والأبناء والزوجات والأصدقاء وللجميع حتى الغرباء، حتى يأتي العيد ليذكرنا بصناعة الفرح، لأنه ارتبط في أذهان الجميع الصغار والكبار بصناعة الفرح، بل وتلاحظ فرح كل المجتمع بهذا العيد، في التلفاز والإذاعة وحديث المجالس كلها تتحدث عن هذا الفرح بيوم العيد، والفرح صناعة حالها حال أي صناعة أخرى، وهو فرصة للتقرب بين الأبناء والزوجات وازالة الحواجز والرواسب، ومحاولة إلى تجديد التسامح والحب من جديد وأن نرسم البسمة على وجوههم، وهذا لا يقدر عليه إلا من يقدر قيمة الفرح، فلنستثمر هذه الأوقات لننثر الحب والجمال في يوم العيد.
إذا كان الفرح يستطيع فعله أغلب الناس، فهناك أمر آخر أعظم وأكبر لا يستطيع عليه إلا أصحاب الإرادات الفولاذية وقليل من البشر وهو تحويل المحن إلى منح، والتفكير بالجانب الإيجابي في كل الأوقات والأحيان حتى في أشد ساعات الشدة، ويجسد ذلك قول الإمام «ابن تيمية» عندما قال وهو في أشد محنته: « ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة». إنها كلمات خالدة تبهر العقول، وتضيء النفوس، وتهز القلوب، وتنثر الفرح في الكون الفسيح الرحب.
صناعة الفرح لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى نفس نقية صافية متسامحة لا تحمل الحقد على الآخرين، لأنها نابعة من أعماق النفس الإنسانية، وهي بحاجة إلى تفهم حاجة النفس قبل كل شيء، وقد تكون بإمكانات قليلة بسيطة لا تكلف شيئاً، ولكنها فقط تحتاج إلى نفسية الطفل الذي لا يحمل الحقد على أحد، وعنما يغضب سهل أن يرضى بعد ذلك.
إذا كان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يقول: انثروا الحبوب في أعالي الجبال حتى لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين. فكم نحن بحاجة إلى أن ننثر بذور الحب والتسامح والمحبة والفرح والألفة في قلوبنا بدل البغض والكراهية والعدواة والبغضاء.
ويقول تولستوي: «عظمة الرجال تقاس بمدى استعدادهم للعفو والتسامح عن الذين أساءوا إليهم».

akandary@gmail.com