إن كان خبر دخول صندوق مليوني لسباق الانتخابات البرلمانية الحالية صحيحاً والهدف منه دعم عدد من المرشحين الموالين لتشكيل كتلة غالبية نيابية في المجلس لمساندة الحكومة فهذه طامة كبرى وعار على جبين جموع الناخبين، وكذلك إن كان قيمة الصندوق الداعم تقارب الـ 13 مليون دينار بهدف رسم خريطة مستقبلية للعمل السياسي من مرشحين مقربين للحكومة وتدخل في تشكيل الحكومة الجديدة بعد هذه الانتخابات ثم للتأثير على نتيجة التصويت لرئاسة مجلس الأمة، هذا يعني اننا أمام منحى خطير سيؤثر على مرحلة انتقالية جديدة تتغنى باسم الديموقراطية ولكن يغلب عليها طابع «الهيمنة الحكومية» في كل شيء، فضلاً عن خروج أو عدم مشاركة كتلة المعارضة تمنح الحكومة فرصة الانفراد في اتخاذ القرار بعد أن كانت القوى المعارضة هي اليد المحاسبة في المجلس على أخطاء الحكومة وتقاعسها في إنجاز خطة وبرنامج عملها وعمل وزرائها، وبالتأكيد هذا له أكبر الأثر على أجندة انجازات الحكومة، ولا نعلم إن كانت الحكومة فعلاً تريد ضخ أموال تقدر بـ 5 ملايين دينار أو أكثر في سبيل السيطرة على كرسي رئاسة المجلس فقط أم غير ذلك!! لأن ما نعرفه أن الحكومة تتدخل بشكل غير مباشر تحت تكتيك سياسي بموضوع اختيار الرئيس ونائبه في المجلس، أما في موضوع ضخ الأموال بهذه اللعبة السياسية لتشكيل نوعية البرلمان تكون الحكومة قد أبلت بلاء سيئاً يؤثر على سير عملية الديموقراطية وعلى هيبة مبادئ الدستور الذي نفتخر فيه أمام الدول الخليجية والعربية.
لقد وصل عدد المرشحين المتقدمين لخوض هذه الانتخابات إلى 417 مرشحاً لمجلس أمة 2013 في الدوائر الخمس بينما نلاحظ غياب العنصر النسائي عن معظم الدوائر، والسؤال هنا: لماذا غابت المرأة الكويتية عن الدوائر الخمس بنسبة متدنية تقارب 2 في المئة من مجموع المرشحين؟! بالتأكيد لأن المرأة الكويتية بحاجة إلى تشجيع من قبل مؤسسات المجتمع المدني ومن الجمعيات النسائية، فالدعم المالي والمعنوي للمرأة ضروري ولكن هذه الأمور كانت شبه مفقودة في الآونة الأخيرة، ويرجع ذلك إلى العادات والتقاليد ودور الأهل وضعف أداء المرأة النائبة في البرلمان وتقصيرها على إعطاء المرأة الكويتية حقوقها بشكل كامل، كما ان المرأة كان دورها قصير طوال فترة المجالس السابقة بسبب الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، وهذا أيضاً أثر سلباً على الناخبين في عملية المشاركة الفعلية ليوم الاقتراع، فاليوم سئم الشارع الكويتي من حالة اللاستقرار في العمل السياسي بين السلطتين بعد أن عانى المجلس من حل دستوري وغير دستوري وسلطة المحكمة الدستورية في الكثير من القضايا السياسية، كما ان الحكومة كان أداؤها شبه معطل في حسم القضايا العالقة رغم أنه كان لديها برنامج عمل وخطة تنمية واضحة إلا انها تقف عاجزة عن تطبيقها أو حتى مساءلة وزرائها، ناهيك عن تدخلات بعض أبناء الأسرة في عملية الانتخابات ما أثر على أداء المجلس والحكومة، وفقدان مبدأ التعاون الجاد بين السلطتين أدى إلى عزوف الناخبين عن عملية الاقتراع بنسبة متدنية جداً تصل إلى 36 في المئة، فالشعور بالإحباط واليأس والاستسلام للقدر السياسي في البلاد جعل الناخب يتذمر من عمر الحياة السياسية القصير لأنه لا يلبي الطموح، وبالتالي كيف يتم الارتقاء بالوطن والنهوض نحو مستقبل مشرق ان كان هناك صراع دائم وتأزيم وراءه تأزيم آخر!
ان الصورة السيئة التي ظهرت بها السلطتان «التشريعية والتنفيذية» أدت إلى تفاقم المشكلات وتردي الأوضاع في شتى المجالات وبمعظم القطاعات، وبالتالي تأخرت الكويت عن مواكبة تطور الدول المجاورة وانتشر الفساد والرشوة في مؤسسات الدولة رغم غرابة هذه الظاهرة في الكويت، غير أن عجز السلطتين في القضاء على هذه التجاوزات والمخالفات أثرت على نفسية الناخب وعلى أدائه ما انعكس سلباً على مستقبل الحياة الديموقراطية واكتمل الأمر سوءاً مع وجود صندوق مليوني للسيطرة على المجلس والحكومة معاً... أما نحن فأمام فساد حقيقي ينخر في جسد المؤسسة التشريعية؟!!
ان الاحتقان الطائفي والقبلي والفئوي أصبح أيضاً ينخر في جسد هذا الوطن الغالي فأصبح الناخب قلقاً على مستقبل وطنه أكثر من أي شيء آخر لأن قضية الأمن والاستقرار للوطن هي الأهم في الوقت الحاضر، فضلاً عن حالة الرخاء والوفرة المالية الجيدة التي تعيشها البلاد أعطت الكويت الثراء ولكننا في الوقت نفسه لم نجد التنمية الحقيقية في جميع قطاعاتها خصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية، وبالتالي جاءت قضية المنح المالية للدول الصديقة والتي تقدر بالمليارات للدول المحتاجة لتكون موضوعاً قابلاً للطرح أثناء فترة الانتخابات الحالية كونه مثيرا للجدل، ففي نظر معظم المرشحين والنواب السابقين ان «الكويتي أولى من غيره» بهذه الهبات والمنح الحكومية وإلا اعتبره البعض على أنه إهدار جسيم للمال العام وان القرار الحكومي بهذا الشأن مخالف للدستور والقانون، ومن شأنه تعريض وزير المالية الحالي مصطفى الشمالي للمساءلة في المجلس في حال رجوعه بالتشكيل الحكومي المرتقب، ويبقى السؤال هنا: ترى كم ستدفع الكويت لإعادة إعمار سورية إذا تطلب الأمر؟! وهل ستكون المنحة محل مساءلة الحكومة في المرحلة المقبلة إن كانت تحمل نفس الرقم والمسببات؟! نلاحظ أن فصول المنح الخارجية بدأت تطرح على الساحة السياسية وأصبحت تثير جدلاً واسعاً في الشارع السياسي كونها محملة بالتساؤلات على تجاوز الكويت للقوانين السارية والدستور وبالتالي تتطلب الحصول على موافقة المجلس في حال تكرار هذه الهبات الحكومية.
إذاً لماذا تهرول الكويت سريعاً نحو إعطاء المنح والهبات للدول الصديقة بينما هي بأمس الحاجة لبناء كويت المستقبل، كويت التطور، كويت العصر الحديث... نعم يتطلع معظم المرشحين اليوم إلى خوض انتخابات برلمانية حرة ونزيهة بعيدة عن الفساد بأنواعه، ويحذر الكثيرون من تدخلات أبناء الأسرة في الانتخابات ومن الصندوق المليوني المنتظر، ويرفضون إعادة توزير الوزراء السيئين، متمنين بذلك تعديل القانون الانتخابي ذي الصوت الواحد، ومشاركة الناخبين جميعاً بعد نطق حكم المحكمة الدستورية، والأهم من هذا كله وجوب التوافق السياسي ما بين السلطتين حتى تهدأ الأوضاع ويستقر العمل السياسي إلى الأفضل.
ولكل حادث حديث.
أعزائي القراء: نظراً لتمتعي بالإجازة الصيفية هذا العام فإنني سأتوقف عن الكتابة قليلاً، آملاً اللقاء بكم قريباً بإذن الله... «تقبل الله طاعتكم وكل عام وأنتم بخير».

علي محمد الفيروز
alfairouzKwt_alrai@yahoo.com