| إعداد حسين خليل |
حفل الزمان الجميل بابدعات عمالقة الفن والغناء في عالمنا العربي الى جانب نجوم العالم الغربي فقدموا الكثير خلال مسيرتهم التي كانت في بعض** الأحيان مليئة بالمطبات والعثرات. منهم من رحل عن هذه الدنيا مخلفاً وراءه فنّه فقط، وآخرون ما زالوا ينبضون عطاء الى يومنا الحالي.
البعض من جيل اليوم نسي ابداعات هؤلاء العمالقة وتجاهلوا مسيرة حافلة من أعمال تركتها بصمة قوية، وفي المقابل يستذكر آخرون عطاءات نجوم الأمس من خلال الاستمتاع بأعمالهم الغنائية أو التمثيلية، وقراءة كل ما يخصّ حياتهم الفنية أو الشخصية.
وفي زاوية «بروفايل» نبحر في بحار هؤلاء النجوم ونتوقف معهم ابتداء من بداياتهم الى آخر مرحلة وصلوا اليها، متدرجين في أهم ما قدّموه من أعمال مازالت راسخة في مسيرة الفن... وفي بروفايل اليوم نستذكر أهم محطات الفنانة الراحل حمد الرجيب:

ولد حمد عيسى جاسم الرجيب في منطقة القبلة 1924... هو فنان شامل، مؤلف مسرحي وممثل ومخرج عانى الكثير، ولم ييأس ويتوقف عن تحقيق حلمه، بل أخذ على عاتقه فكرة إنشاء دور للعرض المسرحي في كل منطقة سكنية. ولم يقتصر دوره على المسرح فحسب، بل كان عازفاً موسيقياً وله مقطوعات وألحان غُنّيت.
في عهده ولد المسرح الكويتي مكتمل النمو، في ظل وجود النص المكتوب بالفصيح حتى أواخر الأربعينات من القرن الماضي، ومن أهم ما أنتج في تلك الفترة مسرحية «خروف نيام نيام» و«من الجاني» من تأليف الرجيب نفسه الذي يعتبر أول هاو للمسرح في الكويت.
كما جمع الراحل الرجيب بين الفن والأدب والسياسة، فهذه الشخصية المتنوّعة خلقت تاريخاً للمسرح الكويتي، لن ننساه ما حيينا، ما جعل مسارح دمشق وبغداد وقرطاج والقاهرة، تصفق طويلاً للكويت وله.

الفنان الشامل
يلقب الرجيب بـ «الفنان الشامل»، أعطى للحركة الفنية الكثير ولا ننسى مواهبه الخلاقة في مجالات الكتابة والتلحين والتمثيل والتأليف الموسيقى.
دخل الفنان الراحل عالم المسرح في العام 1939، إذ مثل أول مسرحية بعنوان «إسلام عمر»، وكان ذلك في مدرسة المباركية، وبعد أن أنهى الصف الثالث الثانوي، عيّن مدرساً رسمياً من قبل مجلس المعارف في مدرسة «الأحمدية»، درّس فيها مواد متنوعة، كالجغرافيا والتاريخ والحساب والأناشيد والتربية الدينية، ثم أصبح بعد ذلك وكيلاً لها.

بعثة دراسيّة
في العام 1945، أرسل الرجيب في بعثة دراسية إلى مصر مع 60 طالبًا لدراسة التربية في معهد المعلمين، وكانت أكبر البعثات عدداً. ونظراً لحبّه الشديد للتمثيل، كان يذهب صباحاً إلى معهد المعلمين ويذهب مساء إلى معهد التمثيل لدراسة فنون المسرح. وفي العام 1950، عاد الرجيب بعد انتهاء البعثة وعيِّن مديراً لإدارة النشاط المدرسي في دائرة المعارف، حيث اهتم إثر عودته بأخبار المسرح واتساع نشاطه، وكان وراء إنشاء دار حديثة للمكتبة العامة ملحقة بقاعة للمحاضرات ومسرح للتمثيل.

دائرة الشؤون الاجتماعيّة
كلِّف الرجيب بإنشاء دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل لسنة 1954، وهي الإدارة التي أنشأت الجمعيات التعاونية ومركز الفنون الشعبية الذي أنشئ العام 1956، حيث سجلت أغنيات البحر والأفراح وسائر المناسبات الشعبية، وأشعار الشعراء الشعبيين سواء العامية أو النبطية. وبتاريخ (27) مارس من العام 1963، عيِّن وكيلاً لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وفي العام نفسه ساهم في تأسيس جمعية الفنانين.

مسرحيات
كتب الراحل الرجيب مسرحيات عدة أبرزها «من الجاني» و«خروف نيام نيام»، كما أخرج خلال السنوات العشر من 1943 إلى 1953، 22 عملاً مسرحياً هي «الميت الحي»، «أم عنبر»، «من تراث الأبوة»، «المروءة المقنعة»، «وفاء»، «إلى يثرب»، «البخيل»، «معركة اليرموك»، «أضرار التبغ»، «طبيب رغماً عنه»، «غزوة بدر الكبرى»، «مهزلة في مهزلة»، «مجنون ليلى»، «عروس الزنوج»، «عدو الشعب»، «وامعتصماه»، «ابن الراعي»، «الطاحونة»، «مقالب سكابان»، «سرّ الحاكم بأمر الله» و«سر الجريمة».

علاقته بالأغنية
في بداية الستينات، شارك الرجيب في تقديم الأغنية المطوّرة، فقدم ثاني أغنية عاطفية مطوّرة تغنى بها الفنان الكبير «شادي الخليج» والتي كانت من ألحانه وكلمات الشاعر الراحل أحمد العدواني بعنوان «فرحة العودة»، تقول مقدمتها:
عادت لنا الأيام فوق السفينة... مرة معانا الريح مرة علينا
بين السفر والغوص رحنا وجينا... ومهما تصير الحال ما قط شكينا

«جودي لا تهجريني»
قدم الرجيب أغنية «جودي لا تهجريني»، من كلمات الشاعر منصور الخرقاوي وغناء غريد الشاطئ، كذلك غنّى له الراحل عوض دوخي وصالح الحريبي وعبد الحميد السيد.

سرّ العدواني
من الملاحظ أن معظم كلمات الأغنيات التي لحّنها الرجيب كتبها الشاعر أحمد العدواني. قال الرجيب عن ذلك «جعلتني صداقتي بالشاعر أحمد العدواني أحس بما يكتبه أكثر من أحاسيسي بغيره من الشعراء، لذلك كنت ألحّن كل قصيدة تصلني منه في ظرف يومين أو ثلاثة مع أن هناك قصائد جميلة لشعراء آخرين. إلا أنني لا أشعر تجاهها بالرغبة نفسها في التلحين... دامت الصداقة بيننا أكثر من أربعين عاماً، لذلك هو أقرب إلى نفسي من غيره».

مقطوعات موسيقية
للرجيب مقطوعات موسيقية حديثة مستمدة من التراث، منها «عودة، تحية» و«رقصة الصبايا». كما قدم مجموعة من الأغنيات للفنانين العرب أمثال نجاح سلام في أغنية «أداري والهوى نمام»، والشحرورة صباح في أغنية «يا عاذلين الحبايب يا عاشقين السهر»، أما عبد الحليم حافظ، فغنّى له «يا فرحة السمار» ونجاة الصغيرة غنّت له «يا ساحل الفنطاس»، تقول فيها:
يا ساحل الفنطاس... يا ملعب الغزلان
يا متعة الجلاس... يا سامر الخلان

الحقل الديبلوماسي
عيِّن الرجيب سفيراً للكويت لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية، بين 1966 و1976. وخلال فترة عمله في القاهرة نقل معه «الديوانية» وكان موعدها يوم الأحد من كل أسبوع في منزله، حيث كان ملتقى الفنانين والساسة والأدباء ومحترفي الفكر.
من أبرز رواد ديوانيته أمين يوسف غراب، عزيز أباظة، عبد الحميد قطامش، صالح جودت، عبد الرحمن الخميسي، زكريا الحجاوي، محمود السعدني، أحمد رشدي صالح، صلاح طاهر، الدكتور سمير هلال، الدكتور عز الدين هلال، عبد الرؤوف علي، المحامي زكي دياب، عز الدين شريف، عبد المنعم الرفاعي، الدكتور سامي الدروبي، شعراوي جمعة، محمد أحمد محجوب، أحمد المخيمر، عبده صالح، أحمد الحفناوي، عبد الفتاح منسي، فريد الأطرش، رياض السنباطي، محمد عبد الوهاب، يوسف وهبي، أحمد رجب، حسين بيكار وآخرون.
وخلال وجوده في مصر، كان الراحل الرجيب عضواً في جهاز التطوير الإداري في جامعة الدول العربية ورئيساً لجمعية إحياء التراث الموسيقي العربي في القاهرة، كما اختير عضواً في لجنة المصالحة بين اليمنين الشمالي والجنوبي في إطار الجامعة العربية، كذلك عيِّن سفيراً لدى المملكة المغربية في العام 1976.
وبعد رحلة اغتراب طويلة، عاد الرجيب إلى أرض الوطن في العام 1979، حمل خلالها علم بلاده في المحافل الديبلوماسية، وتولى بعد ذلك حقائب وزارية عدة منها الرعاية السكنية بتعيينه وزيراً للإسكان العام 1979، بعدها تسلم حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل العام 1981.

إسهاماته
- المساهمة في إنشاء الجمعيات التعاونية.
- عضو في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ تأسيسه العام 1972 حتى رحيله.
- رئيس اللجنة الاستشارية للمعاهد الفنية التابعة لوزارة التعليم العالي.
- ترأس لجنة التقييم للاحتفال بيوم 21 فبراير، يوم المسرح العربي العام 1980.

الجوائز
- درع رائد مسرحي أول في يوم المسرح العربي لتكريم الفنان المسرحي الذي أقامته فرقة المسرح العربي في 21 فبراير العام 1972.
- كرم كرائد مسرحي في العام 1988 في الدورة الأولى للمهرجان المسرحي الخليجي للفرق الأهلية في دولة الكويت.
- وسام التكريم الرفيع من جلالة السلطان قابوس بمناسبة انعقاد القمة العاشرة لمجلس التعاون الخليجي في مسقط العام 1989.
- درع تذكارية من جمعية الفنانين الكويتيين للفنان حمد الرجيب الذي أقيم حفل تحت رعايته لتكريم الرواد والمبدعين والفرق الشعبية في 21 يونيو العام 1995.

وفاته
توفي الراحل حمد الرجيب يوم الاثنين 25 مايو العام 1998 في لندن، وشُيّع إلى مثواه الأخير في الكويت يوم 27 مايو، وحضر التشييع كبار رجال الدولة في الكويت، وأحدثت وفاته هزة كبيرة لدى أصدقائه ومحبيه ومقدري فضله وريادته، حيث تباروا في الإشادة بمناقبه وإنجازاته، من خلال وسائل الإعلام المختلفة.