في مسرحيته الخالدة في وجدان الشعب الكويتي، «باي باي لندن»، لعب الفنان الرائع غانم الصالح دور «نهاش فتى الجبل» والذي يعد من وجهة نظري أهم الأدوار التي لعبها الصالح خلال مسيرته الفنية الطويلة. في ذلك العمل الفني الرائع كان «فتى الجبل» يروج لأسلحته «الهجومية» التي لا تعرف الدفاع حتى دارت به أحداث العمل الفني إلى أن وصل إلى حافة الجنون بعد تبيان «حقيقة» أسلحته الهجومية! هناك من وزراء حكوماتنا المتعاقبة من يمر علينا متقمصاً دور «فتى الجبل» وأسلحته الهجومية «الخردة»، فيسل سيف تصريحاته معلناً التصدي لكل من تسول له نفسه من النواب أن يحاسبه أو يفكر في استخدام أدواته الدستورية الشرعية ضده، متخذاً من أسلوب الهجوم خير وسيلة للدفاع، ولكن ما أن تدور عجلة الأحداث وتتضح الحقائق وتنجلي غمامة التصريحات البطولية التي كانت تغطي سماء الواقع الوزاري، حتى نتبين أن وزيرنا هذا لم يكن إلا «فتى جبل» آخر، وأن تصريحاته تلك لم تكن إلا من تلك النوعية من الأسلحة المغشوشة! الوزير السابق محمد السنعوسي كانت له تصريحات أعتقد أن كل من قرأها أو استمع إليها رأى أن أيام بعض أعضاء المجلس في الحياة العامة معدودة، وأن وزيرالإعلام السابق سوف يرد الصاع صاعين ويجعل «اللي ما يشتري يتفرج» مثلما تقول الأمثال المصرية، وعندما حمي وطيس الاستحقاقات النيابية وحانت ساعة الجد التي لا مزاح فيها، ترك المحمل بما حمل واتجه إلى الفضائيات، لكي يكمل في برامجها تقمصه لشخصية «فتى الجبل»! والوزير السابق الآخر الذي لا «يطق الطار مقلوب» الشيخ علي الجراح، أدخل البلد في دوامة دامت أكثر من شهر على تصريح فاقد لكل بدهيات اللباقة والحس الوطني والسياسي، وتحدى ثم تحدى واعتذر ثم اعتذر، ثم عاد وهدد بكشف أدوار المتلاعبين من النواب الذين ساوموه على مشاريع ضخمة، فلما أتت ساعة الجد النيابية مرة أخرى، انتهى به المشوار «وزير ينوب عن وزير»!.وزيرة التربية السيدة الفاضلة نورية الصبيح تعيش هذه الأيام ما يمكن أن نسميه بـ«متلازمة فتى الجبل»، فتصريحاتها لا تختلف كثيراً في حدتها ونبرتها الهجومية عن تصريحات أسلافها ممن يعانون من ذات المتلازمة، وشخصياً لا أتوقع أن تختلف نهايتها السياسية أيضاً عما انتهت إليها حالة زملاء «المتلازمة»! فبدلاً من أن تركز في عملها الذي أوكل لها وائتمنت عليه كموظفة عامة، والذي يبدو من نتائجها الأولية أنها لا تجيده كثيراً، انبرت إلى التشكيك في نوايا النواب وأهدافهم، وأن كل من ينتقدها مجرد شخص يبحث عن مصلحة أو متضرر من قرار وزاري صادر منها، ونسيت السيدة الفاضلة الوزيرة أنها مسؤولة أمام ممثلي الشعب الذي هو مصدر سلطتها الوزارية دستورياً، ولا يحق لها ولا لأي وزير آخر أن يتبرم أو ينزعج أو «يتضايق» من أي دور يلعبه هؤلاء النواب مادام ضمن الحدود الدستورية التي ضمنها لهم المشرع. والمسؤولية السياسية عن أي قصور وزاري تقع في نهاية الأمر على عاتق الوزير المسؤول، ولا بد له أن يتحملها وبكل شجاعة بدلاً من محاولة تشتيت الحقائق وإلقاء اللوم على الموظفين الأقل سلطة أو مبادلة المساءلة النيابية الدستورية بتصريحات يقصد من ورائها خلط الأوراق على الجميع!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتيsalasfoor@hotmail.com