لن اكتب عن آفة الاشاعات، لانها رذيلة اخلاقية يقر بها حتى من ادمنها واستفاد منها، ولن اتكلم عن الاشاعات المتبادلة بين تيارات متصارعة تتبنى ايديولوجيا متناقضة، تعيش اجواء سياسية انتخابية حاسمة.لكني سأتحدث عن الاشاعات التي ينشرها من يعتبرون انفسهم نموذجا للقدوة وينطلقون من انتماءات دينية واخلاقية وثوابت مخالفتها إثم والاصرار عليها يكلف صاحبها وعيدا في الآخرة.وقد لا اكترث باشاعات ليبرالي او علماني الغاية عنده تدفعه لاي وسيلة كانت توصل اليها او اي مخلوق منفلت كل قيمه سوى المصلحة المنفكة عن قيم الدين والانسانية على السواء... ولكن ان يمارس مولانا صاحب القيم المنادي بالاعتصام بثوابت الاخلاق ومبادئ العدل وحرمة اعراض الناس فهناك تسكب العبرات.ويبدو ان آفة انفلات اللسان وحبه في الخوض في اوحال الاعراض شهوة قديمة عند جنس بني آدم، الى درجة صعوبة التخلص منها حتى عند اكثر الناس تدينا، انقل اليكم نصا عجيبا من القرن الثامن الهجري لاحد اعلام الفقه والاصول والتربية وهو الامام ابن القيم من كتابه (الداء والدواء). فبعد ان تكلم في فصل ضرورة التحفظ من الالفاظ وساق الادلة الشرعية قال واصفا واقعا يلحظه ثم ينقله من تعجبٍ وحسرة فيقول:«ومن العجب: ان الانسان يهونُ عليه التحفظ والاحتراز من اكل الحرام والظلم والزنى، والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرّم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يُشار اليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالا، ينزل بالكلمة الواحدة منها ابعد مما بين المشرق والمغرب».هاتفني مدير مدرسة خاصة في الدائرة الانتخابية الاولى، بان احد الناس - وذكر اسم عائلته - يقول ان فلانا المقرب من المرشح (......) من ذات الدائرة حصل على سيارتين رولز رويس لبناته فمن اين للمرشح هذه الاموال وكيف تحول ذراعه اليمنى اي صاحبه ابو البنتين من اصحاب ذوي الدخل المحدود خلال سنة إلى اللعب بالرولز رايزات!فقلت له ان اولاد وبنات المتهم المنكوب لم يتخرجوا بعد في الابتدائية!! فصُدم مدير المدرسة وقال كان هذا ظني، قلت له اعطني هاتف صاحبك الذي ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كفى بالمرء اثما ان يحدث الناس بكل ما سمع»... الحديث الشريف مبدأ عظيم من كبح جماح اللسان كي لا يتحول المخلوق العاقل إلى دولاب اشاعات يكررها كالاهبل والمصيبة إذا كان ينطلق من شحن ديني بسبب منافس ديني اخر ويا حسرة على العباد.

محمد العوضي