| القاهرة - من الدكتور عبدالغني محمد عبدالله |
«مسجد وجامع ومدرسة»... اسمه السلطان حسن، ويقال عنه عند العامة في مصر. «السلطان حسن»... دون الإشارة إلى أنه مسجد أو جامع أو مدرسة، ويقع في ميدان القلعة في حيّ الخليفة «من أعمال مدينة القاهرة»... في مواجهة قلعة الجبل، التي هي قلعة صلاح الدين، أو قلعة القاهرة... حصنان ضخمان يحاكي الواحد منهما الآخر ضخامة ودورا في التاريخ، وهو المسجد الذي اختاره الرئيس الأميركي باراك أوباما ليزوره في زيارته الأخيرة إلى مصر.
ما هي قصة السلطان حسن - المبنى الجامع والمدرسة والعمارة ـ عبر الزمان وعبر المكان، وما قصة هذا الأثر الضخم العملاق، وهو أحد أعظم وأعرق الآثار الإسلامية قاطبة، وهي العمارة التي شيدها «السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر حسن ابن مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر محمد بن قلاوون».
وذلك حسب منطوق لوحة الإنشاء المثبتة على المبنى، ففي العام «748 هـ - 1347م» جلس السلطان حسن على دست السلطنة في دولة المماليك البحرية، وكان صغير السن لم يتجاوز عمره «13» عاما، وجاءت نهايته على يد «يلبغا الخاصكي»، الذي هاجم قلعة الجبل بعد ذلك الخلاف الشديد بينه وبين السلطان حسن العام «762 هـ ـ1362م».
واضطر السلطان حسن إلى الهروب، حتى وقع في يد يلبغا بجهة المطرية «بالقاهرة الآن» فخنقه ورمى جثته في البحر «أي بحر؟... ربما بحر النيل» كقول أغلب المؤرخين، وكان ذلك آخر العهد به، ولم يعرف له قبر، وهناك قول للمقريزي شيخ المؤرخين انفرد به حيث قال: إنه - السلطان حسن - دفن في مصطبة بداره في جهة قلعة الكبش «بحي السيدة زينب بالقاهرة»، وإن لم يخل الأمر من أقوال أخرى تقول إن السلطان حسن دفن في كيمان الفسطاط «أكوام مدينة الفسطاط التي تم حرقها في أواخر العصر الفاطمي»، أي أن قبة السلطان حسن في مسجده الآن خالية من جثته، على الرغم من أنه هو صاحب ذلك الأثر الإسلامي الأفخم، والأضخم في عالم الإسلام.
أقيم ذلك المسجد الجامع والمدرسة في سوق الخيل. التي كانت تضم قصرين من أجمل القصور التي أمر ببنائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان يسكنها الأميران «يلبغا اليحياوي والطنبغا المارداني»، واستمر القصران في أداء دورهما حتى العام «757هـ - 1356 م»، عندما صدر أمر السلطان حسن بهدمهما ليبني مكانهما مسجده الجامع ومدرسته.
عناية شديدة وصرف سخي بدرجة بالغة لازمت بناء هذا المبنى، حتى إنه يقال إن مصاريف الإنشاء استهلكت خراج مصر بكاملها لمدة «7» سنوات، بل قيل إن القالب الحجري الذي بني عليه ذلك القبو الهائل، الذي يشكل إيوان الصلاة هو الذي استنفد خراج مصر لـ «7» سنوات، ونظرا لارتفاع التكاليف فقد ذكر الطواشي «مقبل الشامي»، أن السلطان حسن تبرم من كثرة المصاريف، وقال «لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرفت عليه»، وأضيف... إن المؤرخين لا يستبعدون ذلك. بسبب ضخامة البناء وشموخه، واتساعه في المساحة في مقدرة فنية ومعمارية وفخامة واضحة.
في العام «762هـ ـ1360م» اكتمل البناء عدا بعض الأعمال البسيطة، وكان ذلك هو العام الذي قُتل فيه السلطان حسن، الأمر الذي أوجب على الطواشي «بشير الجمدار» استكمال البناء، وكان من بينها أعمال الرخام بالأرضيات والوزرات والفوارة «قبة الفسقية في وسط الصحن»، والباب الكبير الذي هو باب المدخل «هذا الباب نقل من موقعه في مدخل السلطان حسن ليصبح حتى اليوم بابا لجامع المؤيد شيخ المحمودي المعروف باسم جامع المتولي بجوار باب زويلة بالقاهرة».
ونحن نعرف أن السلطان حسن افتتح الجامع المدرسة قبل مصرعه بقليل، وأدى فيه صلاة الجمعة، وأنعم على البنائين والمهندسين الذين عملوا وأشرفوا على هذا الإنجاز الضخم، وأقام السلطان حسن الدروس في الجامع المدرسة خلال حياته، وقد وثق لها وقفية للصرف عليها، وعين الموظفين والقراء والمنشدين وأمر بتعليق وسائل الإنارة بالمشكاوات «المفرد مشكاة»، وألحق بعمارة المسجد الجامع المدرسة مساكن للطلبة وأنفق عليهم ووفر لهم الجراية والملابس والخلع. تبلغ مساحة المبنى «7906» أمتار مربعة بطول 150مترا في عرض 68 مترا، ولها أربع واجهات «عدا بعض الجوانب».
- الواجهة الشرقية: وبها قبة أسفلها الضريح ومئذنتان، المئذنة القبلية هي الأقدم بارتفاع 81.60 متر تقريبا، أما المئذنة الأخرى فهي ليست أصلية، ولكنها جددت بواسطة إبراهيم باشا العام «1082 هـ - 1761 م» بعد سقوط الأصلية العام «1070هـ 1659م».
- الواجهة القبلية: تشتمل على نوافذ مدرستي الحنابلة والحنفية.
- الواجهة الغربية: تحتها دورة المياه وأمامها الساقية التي كانت توصل المياه إلى المدارس والمسجد الجامع.
- الواجهة البحرية: هي الواجهة العمومية بارتفاع 37.70 متر ويقع الباب الرئيسي عند الطرف الغربي، ويعد هذا الباب طُرفة أثرية وفنية حسب وصف الأستاذ حسن عبدالوهاب، ويعد أحد أعظم المداخل في عالم الإسلام. وأكثرها ارتفاعا وشموخا، وقد تمت تحلية جانبيه بزخارف متنوعة تمتد إلى أعلى، وكان من المفترض أن يتم تلبيس هذه الجوانب بالرخام، ولكن ذلك لم يتم بسبب الظروف السياسية، وهناك حليتان تم تلبيسهما بالرخام الأخضر. بوحدات زخرفية هندسية وكتب في أعلاها بالخط الكوفي المزهر «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله».
«الحنية هي تجويف في الحائط، ويكون الداخل ملفوفا، وقد تغطى بنصف قبة مثل حنية المحراب، ويقال أيضا إن المحراب هو عبارة عن حنية والخط الكوفي المزهر هو خط تخرج من حروفه فروع نباتية بها أزهار».
تعلو هذه العبارة تربيعتان كتب بإحداها بالخط الكوفي اليابس «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي التربيعة الأخرى «أبوبكر، عمر، عثمان، علي»،
«والخط الكوفي اليابس هو خط مربع بسيط لا زخرف فيه».
ومن المدخل مباشرة إلى قاعة مربعة وبواسطة خمس درجات سلم يمكن الوصول إلى دهليز ينتهي إلى اليسار بثنية حادة تقود إلى الصحن. وللعلم فالمبنى يضم العديد من الدهاليز.
نصل إلى الصحن 34.60 في 32 مترا، وهو صحن مكشوف تتوسطه فوارة بسقيفة، مخصصة للوضوء، مغطاة بقبة خشبية تمثل جوسقا يقف فوق ثمانية أعمدة رشيقة، وقد نقش على دائر هذه السقيفة آية الكرسي وتاريخ الانتهاء من بناء الفسقية والجوسق، وتاريخ عمارة أخرى أجريت بها العام 1088هـ «والجوسق هو القبة المحمولة على أعمدة».
على جوانب الصحن «4» إيوانات. أكبرها الإيوان الشرقي، الذي يضم المحراب والمنبر الرخامي، ودكة المبلّغ الرخامية، والملبسة بالرخام الملون من نواصيها والمزخرفة بزخارف نباتية.
«دكة المبلّغ عنصر معماري إسلامي يتواجد بالمسجد أو الجامع ليجلس فوقها القراء أو جوقة المنشدين، وكذلك يصلي فوقها المنادي الذي ينادي خلف الإمام حتى يُسمع باقي المصلين».
وهذا الإيوان لا نظير له في عالم الإسلام. من حيث الضخامة والاتساع والارتفاع والواجهة المفتوحة ـ 19.20 متر ـ يحيط به إفريز نادر من الجص يحتوي على شريط من الكتابة على أرضية زخرفية جميلة، ويحتوي هذا الشريط الكتابي على نص من القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم - إنا فتحنا لك فتحا مبينا... إلى قوله تعالى... فوزا عظيما».
المحراب الرئيسي في صدر إيوان القبلة، وهو عبارة عن حنية عظيمة، وتشتمل على مجموعة رائعة من العناصر الزخرفية المتعددة الألوان وبجواره منبر رخامي بباب نحاسي مخرّم يكتنفه من اليمين واليسار بابان أحدهما نحاسي مكفت بالذهب يقودان إلى غرفة الضريح خلف المحراب «التكفيت هو نوع من الزخرفة بإضافة معدن إلى معدن».
الضريح. غرفة كبيرة مربعة مغطى بقبة بارتفاع «48» مترا، وهي التي تظهر لنا من ميدان القلعة، وتضم محرابا رخاميا مزخرفا، وبها وزرة رخامية ترتفع عن الأرض بثمانية أمتار، وقد عولجت مناطق الانتقال بين أركان الغرفة وبداية دوران القبة بمقرنصات من الخشب الملون والمذهب، هذا ومن المعروف أن القبة الأصلية سقطت العام «1071 هـ ـ 1660م» وجددها إبراهيم باشا في عمارته للمسجد العام 1082هـ، وهذه القبة الآن محاطة بدعامات أسطوانية.
الإيوان، هو المساحة المحاطة بما يعزلها عن البيئة الخارجية ويغطيها سقف مقبيّ - أي قبو. أما المقرنص فالجمع مقرنصات، وهو عنصر معماري يسد الفراغ بين مستويين أو بين مربع ومستدير، أو من تغير مستوى الأسطح، وتراه دائما في الأركان أسفل القباب من الداخل أو على المآذن أسفل الشرفات، ويستطيع الأثري أن يؤرخ للزمان والمكان من أعدادها وصفوفها في المبنى.
على يمين الصحن ويساره وخلفه ثلاثة إيوانات «المفرد إيوان» في كل جهة إيوان واحد وهي جميعها في سعتها أقل وعمقها أقل من إيوان القبلة، وإن كانت متساوية معه في الارتفاع، وخصص كل إيوان لتدريس واحد من المذاهب الأربعة، وأكبرها هو الإيوان المخصص للمدرسة الحنفية، وتبلغ مساحته 898 مترا.
مهندس هذا العمل الضخم لم يكن معروفا. ويقال: إن الناصر محمد كان قد طلب مهندسين من أقطار الأرض، وأمرهم بأن يقيموا عمارة لم يعمر أعلى منها، وهي عجيبة من عجائب الدنيا حتى إن ابن تغري بردي الأتابكي قال عنها «إن هذه المدرسة ومئذنتها وقبتها من عجائب الدنيا، وهي أحسن بناء مبني في الإسلام».
استمر مهندس هذا العمل مجهولا حتى كشف لنا العالم الأثري حسن عبدالوهاب عن اسم المهندس المعماري الذي شيده، وكان ذلك يوم 14/11/1944 حينما عثر على نص مكتوب في طراز جصي في المدرسة الحنفية يقول «بسم الله الرحمن الرحيم «إن المتقين في جنات وعيون».... اللهم يا دائم لا يفنى، ومن نعمه لا تحصى أدم العز والتمكين والنصر والفتح المبين. يا من أيدت به الإسلام والمسلمين وأحييت..... حسن ابن مولانا الـ... عنه ما وليته وخلده في ذريته كي تحمي دولته وشاد عمارته محمد بن بلييك المحسني».
جابريل شارم أحد أكبر علماء تاريخ الفن، وقف كثيرا أمام مسجد السلطان حسن وقال:«إن باب المسجد تحفة فنية من أكمل الألطاف العربية. علوه شاهق يتناسب مع اتساعه..... قبته تبدو أكثر ارتفاعا من قبة البانثيون بباريس وأوسع منها ممرات».
جاستون فيت قال عنه: «إنه أبدع آثار القاهرة وأكثرها تجانسا وتماسكا وكمالا ووحدة».
الرحالة المغربي الورتلاتي. قال عنه: «إنه مسجد لا ثاني له في مصر ولا في غيرها من البلاد في فخامة البناء والارتفاع وإحكام واتساع حناياه وسعة مدخله فكأنه جبال منحوتة تصفق فيها الرياح كما تفعل في شواهق الجبال».
الأثري الشهير حسن عبدالوهاب قال: «إن من حق مصر الفرعونية أن تفخر بأهرامها، وإن لمصر الإسلامية أن تتيه عُجبا بمدرسة السلطان حسن، التي لا يعادلها آخر في الشرق بأجمعه، فقد جمعت شتى الفنون فيها».
الكونت جوبينو حينما أطل على القاهرة من فوق قلعة الجبل قال «يقع تحت أقدامنا ميدان عريض تتصدره مدرسة السلطان حسن - حصن على هيئة مسجد - لا يقل مناعة عن قلعة صلاح الدين المواجهة له».
أما المقريزي قال «لا يُعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكي هذا الجامع وقبته التي لم يُبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها».
العديد من الحكايات تدور حول مبنى مسجد وجامع ومدرسة السلطان حسن باعتبار أنه كان وقت عمارته الحادث والحديث، وباعتباره واحدا من أهم العمائر الإسلامية في مدينة القاهرة، وفي العالمين العربي والإسلامي.
وقفنا يوما ـ كطلاب بكلية الآثار ـ أمام القبو الهائل لإيوان القبلة... وكان معنا فنان مصر الكبير الرحل صلاح طاهر. الذي هو أحد الشوامخ الفنية المصرية في العصر الحديث، الذي أشار للقبو، وقال «لا أملك ما أقوله إلا أننا أمام شيء جليل».
هذا هو مسجد وجامع ومدرسة السلطان حسن. مبنى عملاق بجدران شاهقة، مدخل أسطوري شاهق الارتفاع، رائع الزخرفة، عملاق معماري مملوكي إسلامي كبير يمثل احدى روائع الحضارة الإسلامية، وهو فوق ذلك عمل مجيد يحكي لنا مجد المسلمين وتاريخهم.
«مسجد وجامع ومدرسة»... اسمه السلطان حسن، ويقال عنه عند العامة في مصر. «السلطان حسن»... دون الإشارة إلى أنه مسجد أو جامع أو مدرسة، ويقع في ميدان القلعة في حيّ الخليفة «من أعمال مدينة القاهرة»... في مواجهة قلعة الجبل، التي هي قلعة صلاح الدين، أو قلعة القاهرة... حصنان ضخمان يحاكي الواحد منهما الآخر ضخامة ودورا في التاريخ، وهو المسجد الذي اختاره الرئيس الأميركي باراك أوباما ليزوره في زيارته الأخيرة إلى مصر.
ما هي قصة السلطان حسن - المبنى الجامع والمدرسة والعمارة ـ عبر الزمان وعبر المكان، وما قصة هذا الأثر الضخم العملاق، وهو أحد أعظم وأعرق الآثار الإسلامية قاطبة، وهي العمارة التي شيدها «السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر حسن ابن مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر محمد بن قلاوون».
وذلك حسب منطوق لوحة الإنشاء المثبتة على المبنى، ففي العام «748 هـ - 1347م» جلس السلطان حسن على دست السلطنة في دولة المماليك البحرية، وكان صغير السن لم يتجاوز عمره «13» عاما، وجاءت نهايته على يد «يلبغا الخاصكي»، الذي هاجم قلعة الجبل بعد ذلك الخلاف الشديد بينه وبين السلطان حسن العام «762 هـ ـ1362م».
واضطر السلطان حسن إلى الهروب، حتى وقع في يد يلبغا بجهة المطرية «بالقاهرة الآن» فخنقه ورمى جثته في البحر «أي بحر؟... ربما بحر النيل» كقول أغلب المؤرخين، وكان ذلك آخر العهد به، ولم يعرف له قبر، وهناك قول للمقريزي شيخ المؤرخين انفرد به حيث قال: إنه - السلطان حسن - دفن في مصطبة بداره في جهة قلعة الكبش «بحي السيدة زينب بالقاهرة»، وإن لم يخل الأمر من أقوال أخرى تقول إن السلطان حسن دفن في كيمان الفسطاط «أكوام مدينة الفسطاط التي تم حرقها في أواخر العصر الفاطمي»، أي أن قبة السلطان حسن في مسجده الآن خالية من جثته، على الرغم من أنه هو صاحب ذلك الأثر الإسلامي الأفخم، والأضخم في عالم الإسلام.
أقيم ذلك المسجد الجامع والمدرسة في سوق الخيل. التي كانت تضم قصرين من أجمل القصور التي أمر ببنائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان يسكنها الأميران «يلبغا اليحياوي والطنبغا المارداني»، واستمر القصران في أداء دورهما حتى العام «757هـ - 1356 م»، عندما صدر أمر السلطان حسن بهدمهما ليبني مكانهما مسجده الجامع ومدرسته.
عناية شديدة وصرف سخي بدرجة بالغة لازمت بناء هذا المبنى، حتى إنه يقال إن مصاريف الإنشاء استهلكت خراج مصر بكاملها لمدة «7» سنوات، بل قيل إن القالب الحجري الذي بني عليه ذلك القبو الهائل، الذي يشكل إيوان الصلاة هو الذي استنفد خراج مصر لـ «7» سنوات، ونظرا لارتفاع التكاليف فقد ذكر الطواشي «مقبل الشامي»، أن السلطان حسن تبرم من كثرة المصاريف، وقال «لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرفت عليه»، وأضيف... إن المؤرخين لا يستبعدون ذلك. بسبب ضخامة البناء وشموخه، واتساعه في المساحة في مقدرة فنية ومعمارية وفخامة واضحة.
في العام «762هـ ـ1360م» اكتمل البناء عدا بعض الأعمال البسيطة، وكان ذلك هو العام الذي قُتل فيه السلطان حسن، الأمر الذي أوجب على الطواشي «بشير الجمدار» استكمال البناء، وكان من بينها أعمال الرخام بالأرضيات والوزرات والفوارة «قبة الفسقية في وسط الصحن»، والباب الكبير الذي هو باب المدخل «هذا الباب نقل من موقعه في مدخل السلطان حسن ليصبح حتى اليوم بابا لجامع المؤيد شيخ المحمودي المعروف باسم جامع المتولي بجوار باب زويلة بالقاهرة».
ونحن نعرف أن السلطان حسن افتتح الجامع المدرسة قبل مصرعه بقليل، وأدى فيه صلاة الجمعة، وأنعم على البنائين والمهندسين الذين عملوا وأشرفوا على هذا الإنجاز الضخم، وأقام السلطان حسن الدروس في الجامع المدرسة خلال حياته، وقد وثق لها وقفية للصرف عليها، وعين الموظفين والقراء والمنشدين وأمر بتعليق وسائل الإنارة بالمشكاوات «المفرد مشكاة»، وألحق بعمارة المسجد الجامع المدرسة مساكن للطلبة وأنفق عليهم ووفر لهم الجراية والملابس والخلع. تبلغ مساحة المبنى «7906» أمتار مربعة بطول 150مترا في عرض 68 مترا، ولها أربع واجهات «عدا بعض الجوانب».
- الواجهة الشرقية: وبها قبة أسفلها الضريح ومئذنتان، المئذنة القبلية هي الأقدم بارتفاع 81.60 متر تقريبا، أما المئذنة الأخرى فهي ليست أصلية، ولكنها جددت بواسطة إبراهيم باشا العام «1082 هـ - 1761 م» بعد سقوط الأصلية العام «1070هـ 1659م».
- الواجهة القبلية: تشتمل على نوافذ مدرستي الحنابلة والحنفية.
- الواجهة الغربية: تحتها دورة المياه وأمامها الساقية التي كانت توصل المياه إلى المدارس والمسجد الجامع.
- الواجهة البحرية: هي الواجهة العمومية بارتفاع 37.70 متر ويقع الباب الرئيسي عند الطرف الغربي، ويعد هذا الباب طُرفة أثرية وفنية حسب وصف الأستاذ حسن عبدالوهاب، ويعد أحد أعظم المداخل في عالم الإسلام. وأكثرها ارتفاعا وشموخا، وقد تمت تحلية جانبيه بزخارف متنوعة تمتد إلى أعلى، وكان من المفترض أن يتم تلبيس هذه الجوانب بالرخام، ولكن ذلك لم يتم بسبب الظروف السياسية، وهناك حليتان تم تلبيسهما بالرخام الأخضر. بوحدات زخرفية هندسية وكتب في أعلاها بالخط الكوفي المزهر «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله».
«الحنية هي تجويف في الحائط، ويكون الداخل ملفوفا، وقد تغطى بنصف قبة مثل حنية المحراب، ويقال أيضا إن المحراب هو عبارة عن حنية والخط الكوفي المزهر هو خط تخرج من حروفه فروع نباتية بها أزهار».
تعلو هذه العبارة تربيعتان كتب بإحداها بالخط الكوفي اليابس «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي التربيعة الأخرى «أبوبكر، عمر، عثمان، علي»،
«والخط الكوفي اليابس هو خط مربع بسيط لا زخرف فيه».
ومن المدخل مباشرة إلى قاعة مربعة وبواسطة خمس درجات سلم يمكن الوصول إلى دهليز ينتهي إلى اليسار بثنية حادة تقود إلى الصحن. وللعلم فالمبنى يضم العديد من الدهاليز.
نصل إلى الصحن 34.60 في 32 مترا، وهو صحن مكشوف تتوسطه فوارة بسقيفة، مخصصة للوضوء، مغطاة بقبة خشبية تمثل جوسقا يقف فوق ثمانية أعمدة رشيقة، وقد نقش على دائر هذه السقيفة آية الكرسي وتاريخ الانتهاء من بناء الفسقية والجوسق، وتاريخ عمارة أخرى أجريت بها العام 1088هـ «والجوسق هو القبة المحمولة على أعمدة».
على جوانب الصحن «4» إيوانات. أكبرها الإيوان الشرقي، الذي يضم المحراب والمنبر الرخامي، ودكة المبلّغ الرخامية، والملبسة بالرخام الملون من نواصيها والمزخرفة بزخارف نباتية.
«دكة المبلّغ عنصر معماري إسلامي يتواجد بالمسجد أو الجامع ليجلس فوقها القراء أو جوقة المنشدين، وكذلك يصلي فوقها المنادي الذي ينادي خلف الإمام حتى يُسمع باقي المصلين».
وهذا الإيوان لا نظير له في عالم الإسلام. من حيث الضخامة والاتساع والارتفاع والواجهة المفتوحة ـ 19.20 متر ـ يحيط به إفريز نادر من الجص يحتوي على شريط من الكتابة على أرضية زخرفية جميلة، ويحتوي هذا الشريط الكتابي على نص من القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم - إنا فتحنا لك فتحا مبينا... إلى قوله تعالى... فوزا عظيما».
المحراب الرئيسي في صدر إيوان القبلة، وهو عبارة عن حنية عظيمة، وتشتمل على مجموعة رائعة من العناصر الزخرفية المتعددة الألوان وبجواره منبر رخامي بباب نحاسي مخرّم يكتنفه من اليمين واليسار بابان أحدهما نحاسي مكفت بالذهب يقودان إلى غرفة الضريح خلف المحراب «التكفيت هو نوع من الزخرفة بإضافة معدن إلى معدن».
الضريح. غرفة كبيرة مربعة مغطى بقبة بارتفاع «48» مترا، وهي التي تظهر لنا من ميدان القلعة، وتضم محرابا رخاميا مزخرفا، وبها وزرة رخامية ترتفع عن الأرض بثمانية أمتار، وقد عولجت مناطق الانتقال بين أركان الغرفة وبداية دوران القبة بمقرنصات من الخشب الملون والمذهب، هذا ومن المعروف أن القبة الأصلية سقطت العام «1071 هـ ـ 1660م» وجددها إبراهيم باشا في عمارته للمسجد العام 1082هـ، وهذه القبة الآن محاطة بدعامات أسطوانية.
الإيوان، هو المساحة المحاطة بما يعزلها عن البيئة الخارجية ويغطيها سقف مقبيّ - أي قبو. أما المقرنص فالجمع مقرنصات، وهو عنصر معماري يسد الفراغ بين مستويين أو بين مربع ومستدير، أو من تغير مستوى الأسطح، وتراه دائما في الأركان أسفل القباب من الداخل أو على المآذن أسفل الشرفات، ويستطيع الأثري أن يؤرخ للزمان والمكان من أعدادها وصفوفها في المبنى.
على يمين الصحن ويساره وخلفه ثلاثة إيوانات «المفرد إيوان» في كل جهة إيوان واحد وهي جميعها في سعتها أقل وعمقها أقل من إيوان القبلة، وإن كانت متساوية معه في الارتفاع، وخصص كل إيوان لتدريس واحد من المذاهب الأربعة، وأكبرها هو الإيوان المخصص للمدرسة الحنفية، وتبلغ مساحته 898 مترا.
مهندس هذا العمل الضخم لم يكن معروفا. ويقال: إن الناصر محمد كان قد طلب مهندسين من أقطار الأرض، وأمرهم بأن يقيموا عمارة لم يعمر أعلى منها، وهي عجيبة من عجائب الدنيا حتى إن ابن تغري بردي الأتابكي قال عنها «إن هذه المدرسة ومئذنتها وقبتها من عجائب الدنيا، وهي أحسن بناء مبني في الإسلام».
استمر مهندس هذا العمل مجهولا حتى كشف لنا العالم الأثري حسن عبدالوهاب عن اسم المهندس المعماري الذي شيده، وكان ذلك يوم 14/11/1944 حينما عثر على نص مكتوب في طراز جصي في المدرسة الحنفية يقول «بسم الله الرحمن الرحيم «إن المتقين في جنات وعيون».... اللهم يا دائم لا يفنى، ومن نعمه لا تحصى أدم العز والتمكين والنصر والفتح المبين. يا من أيدت به الإسلام والمسلمين وأحييت..... حسن ابن مولانا الـ... عنه ما وليته وخلده في ذريته كي تحمي دولته وشاد عمارته محمد بن بلييك المحسني».
جابريل شارم أحد أكبر علماء تاريخ الفن، وقف كثيرا أمام مسجد السلطان حسن وقال:«إن باب المسجد تحفة فنية من أكمل الألطاف العربية. علوه شاهق يتناسب مع اتساعه..... قبته تبدو أكثر ارتفاعا من قبة البانثيون بباريس وأوسع منها ممرات».
جاستون فيت قال عنه: «إنه أبدع آثار القاهرة وأكثرها تجانسا وتماسكا وكمالا ووحدة».
الرحالة المغربي الورتلاتي. قال عنه: «إنه مسجد لا ثاني له في مصر ولا في غيرها من البلاد في فخامة البناء والارتفاع وإحكام واتساع حناياه وسعة مدخله فكأنه جبال منحوتة تصفق فيها الرياح كما تفعل في شواهق الجبال».
الأثري الشهير حسن عبدالوهاب قال: «إن من حق مصر الفرعونية أن تفخر بأهرامها، وإن لمصر الإسلامية أن تتيه عُجبا بمدرسة السلطان حسن، التي لا يعادلها آخر في الشرق بأجمعه، فقد جمعت شتى الفنون فيها».
الكونت جوبينو حينما أطل على القاهرة من فوق قلعة الجبل قال «يقع تحت أقدامنا ميدان عريض تتصدره مدرسة السلطان حسن - حصن على هيئة مسجد - لا يقل مناعة عن قلعة صلاح الدين المواجهة له».
أما المقريزي قال «لا يُعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكي هذا الجامع وقبته التي لم يُبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها».
العديد من الحكايات تدور حول مبنى مسجد وجامع ومدرسة السلطان حسن باعتبار أنه كان وقت عمارته الحادث والحديث، وباعتباره واحدا من أهم العمائر الإسلامية في مدينة القاهرة، وفي العالمين العربي والإسلامي.
وقفنا يوما ـ كطلاب بكلية الآثار ـ أمام القبو الهائل لإيوان القبلة... وكان معنا فنان مصر الكبير الرحل صلاح طاهر. الذي هو أحد الشوامخ الفنية المصرية في العصر الحديث، الذي أشار للقبو، وقال «لا أملك ما أقوله إلا أننا أمام شيء جليل».
هذا هو مسجد وجامع ومدرسة السلطان حسن. مبنى عملاق بجدران شاهقة، مدخل أسطوري شاهق الارتفاع، رائع الزخرفة، عملاق معماري مملوكي إسلامي كبير يمثل احدى روائع الحضارة الإسلامية، وهو فوق ذلك عمل مجيد يحكي لنا مجد المسلمين وتاريخهم.