| القاهرة - من
/> د. عبدالغني عبدالله |
/>على الرغم من الدور الاستشراقي في إبراز عدد من عناصر التحضر الإسلامي، إلا ان بعض المستشرقين تعودوا نسبة كل تقدم عربي أو إسلامي إلى الآخرين. خصوصا للغرب، مع التحضر الإسلامي قبل عصر النهضة الأوروبية الحديثة، واتبعوا ذلك في معظم موضوعات التمدن الإسلامي تقريبا لعلهم يظفرون بطائل، أو ينسبونها إلى آخرين، مما ينكر كل تقدم إسلامي أو عربي.
/>لم يعرف المسلمون المئذنة كعنصر معماري زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولم يكن هناك من يؤذن للصلاة في بداية الأمر. وكانت الحاجة ماسة إلى وسيلة للمناداة على الصلاة، أهم أركان الإسلام، وفيما بعد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم «بلال بن رباح» بالقيام بهذه المهمة، فاعتلى سطح المسجد، أو لعله احد السطوح المجاورة، وأذن للصلاة. ومن هنا بدأت الفكرة الخاصة بارتفاع المؤذن عن سطح الأرض، وتطورت إلى ان وصلت إلى عنصر معماري متكامل، هو المئذنة لتصبح بنيانا مرتفعا يقف فوقه المؤذن وينادي للصلاة. ومن ثم يصل صوته إلى الجميع في المنطقة. وفي ذلك لم يتشبه المسلمون باليهود في استخدام النفير، أو بالمسيحيين عندما استعانوا بالناقوس في الدعوة إلى صلاتهم.
/>المئذنة احد العناصر المعمارية الإسلامية ذات البعد الديني، وقد تعرضت للكثير من الافتراءات الاستشراقية بهدف نسبتها إلى عناصر معمارية سابقة على الإسلام ولويت الحقائق لتفسير الروايات حول نشأتها وتطورها. والمئذنة انشئت مع المساجد والجوامع والاربطة «كل رباط له مسجد» لتؤدي وظيفتين اولاهما الأذان من فوقها، والثانية هي المراقبة والانذار في المناطق ذات البعد الاستراتيجي والعسكري.
/>أول المساجد التي شادها المسلمون خارج شبه الجزيرة العربية ذلك الذي شيده عتبة بن غزوان في مدينة البصرة سنة 14هـ (638م)، ويظن انه كانت له منارة، حسب رواية عدد من المؤرخين. وقد أكد لنا الدكتور فريد شافعي في كتاب «العمارة العربية» ان زياد بن ابيه والي العراق في زمن معاوية بن ابي سفيان قد بنى مئذنة لهذا المسجد، اعتمادا على رواية البلاذري «ت245هـ/859م» في «فتوح البلدان» وهي اقدم الروايات التاريخية العربية عن بناء مئذنة. أما ثانية الروايات فقد اوردها كل من ابن دقماق والمقريزي وملخصها ان مسلمة بن مخلد والي مصر «47 - 62هـ» بنى اربع صوامع سنة 53هـ، بأركان جامع عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط أول المساجد في مصر، بناء على أمر الخليفة معاوية، وتلك الرواية نقلت عن ابن عبدالحكم «257هـ» وعن ابن المتوج «توفي قبل ابن عبدالحكم بخمسين سنة».
/>اتخذ المستشرقون منهجا يشكك في أي عنصر حضاري عربي أو إسلامي بالجري وراء الروايات البسيطة للمؤرخين العرب والمسلمين، على ان تكون روايات ذات صلة بالعنصر موضوع بحثهم، والتفتوا تماما عن الروايات التي لا تتفق مع هدفهم واستبعدوها إن أمكن أو شككوا فيها ان لم يستطيعوا ذلك ولذا فقد دمغوا - وفقا لمنهجهم - رواية البلاذري عن مئذنة البصرة بالشك بصفته المؤرخ الوحيد الذي روى هذا الخبر. وارتاحوا جدا لرواية ابن عبدالحكم التي قدمها ابن دقماق والمقريزي بسبب انهم وجدوا في رواية المقريزي نصا يقول: إن مآذن الفسطاط بنيت تقليدا لصوامع المعبد الروماني القديم في دمشق وانها انشئت بهدف الأذان اعتمادا على رواية ابن الفقيه في كتابه الذي الفه سنة 291هـ. ولذا فقد ظهرت نظرية تقول: ان هذه الصوامع كانت للمراقبة أيام الرومان، وان الوليد بن عبدالملك قد تركها على حالها عندما شيد المسجد الاموي سنة 96هـ، هي القصة نفسها التي أيدها المسعودي في «مروج الذهب» سنة 332هـ، وعندئذ شاعت نظرية تقول ان صوامع المعبد الروماني هي نفسها التي اصبحت اولى مآذن في الإسلام عموما - وهكذا - اعتمادا على روايات المؤرخين العرب. ولذا فقد شربها العرب برواية مؤرخيهم، وانتسبت مآذن جامع عمرو بالفسطاط إلى اصل شامي - روماني، ثم انسحبت تلك النظرية على كل المآذن كعنصر معماري.
/>اقدم مثل للمآذن باق إلى الآن هو مئذنة «القيروان» في مدينة القيروان بتونس، التي بناها بشر بن صفوان بين سنتي 105 و109هـ، وفق الادلة التاريخية. ولو أخذنا بالأدلة المعمارية فإنها تعود بتاريخ البناء إلى سنة 221هـ، عندئذ تسبقها منارة قصر الحير الشرقي في الشام والتي بنيت سنة 110هـ، وتصبح مئذنة القيروان عظيمة الارتفاع، تتكون من 3 طوابق يعود الأول والثاني منها إلى عصر هشام بن عبدالله وهي المئذنة التي نسبها المستشرقون في عناصرها المعمارية على عنصر غير إسلامي وغير عربي. وفي اقل القليل جعلوها تقليدا لصوامع المعبد القديم في دمشق أي مصدرا وثنياً.
/>الداعمون لفكرة اقتباس المآذن من عناصر سابقة على الإسلام، رتبوا أوراقهم واسبابهم بكثير من العقلانية والمنطق، وبحذر شديد جدا وغطوا الكثير من الثغرات ما جعل الامر بالنسبة إلى الكثيرين مؤكد الصدق. فسايروهم دون البحث وراء هذه الآراء أو تنفيذها، ولكن الكثير من علماء الآثار العرب والمسلمين قد تصدوا لكل هذه النظريات، وأوردوا اسبابهم لدحض هذه الافكار. منهم أحمد فكري، وسعاد ماهر، وحسن الباشا، وكمال الدين سامح، وزكي محمد حسن وغيرهم. إلا اننا سنختار عالما نسترشد بآرائه ونظرياته للتعرف إلى الحقيقة وهو الدكتور فريد شافعي لنصل إلى رأيه الحاسم الذي يقول: ان المئذنة عربية الاصل. والدكتور شافعي هو احد ابرز علماء العمارة الإسلامية، وقد شغل رحمه الله منصب أستاذ العمارة الإسلامية في جامعة القاهرة. وله فضل عظيم على دراسة تاريخ هذه العمارة، فقد بذل جهدا ضخما لابراز عناصرها، وتأصيل تاريخها، وتتلمذ له الكثير من العلماء والأساتذة، وهو صاحب نظرية صحيحة تعرف باسم «العمارة والفنون العربية في العصر الاسلامي»، حتى يزول الايحاء بنسبة الفضل في وضع اسس تقاليد العمارة والفنون الإسلامية إلى غير العرب أولا والى غير المسلمين ثانيا. ورتب الافكار والاسباب والأسانيد العقلية والعلمية واستمات في الدفاع عن العناصر المعمارية العربية، ولم يترك كلمة واحدة، الا وبحث أمامها وخلفها وحولها للتعرف إلى هدفها واسبابها. ويمكن لنا من خلال تتبع بعض نظرياته حول المئذنة ان نصل إلى حقيقة تقول: إنها عنصر معماري عربي، وسنورد آراءه في نقاط متعددة منها:
/>يرى الدكتور شافعي ان ارتفاع صوامع المعبد القديم في دمشق غير كاف ولا مناسب ولا صالح للأذان من فوقها ودعوة المسلمين إلى الصلاة في مدينة متسعة وكبيرة وكثيفة السكان مثل دمشق، حيث يبلغ ارتفاع كل صومعة 20 مترا، ولم تكن ترتفع عن سطح المسجد الأموي إلا قليلا في وقت كان الارتفاع بالمؤذن مطلوبا لكي يتبلغ المسلمون الأذان إذ لم تكن اجهزة تكبير الصوت قد ظهرت. ويرى شافعي ان الحكمة من إبقاء هذه الصوامع التي كانت متينة بمقياس ذلك العصر هو لبناء مآذن عالية فوقها. أما كون هذه المآذن «الاصلية» لم تصل الينا فذلك لأنها تهدمت بفعل الزلازل أو بفعل الزمن أو الحرائق وهو يرجح الزلازل. ومن بين ما يدعم هذا الظن، أن المآذن الثلاث الموجودة الآن في المسجد الأموي، اثنتان منها موجودتان فوق الصومعتين القديمتين في الناحية الجنوبية الشرقية «فوقها مئذنة عيسى» والناحية الجنوبية الغربية «فوقها المئذنة الغربية»، وقد شيدتا في العصور الوسطى بعد تهدم سابقتيهما بفعل الزلازل. أما المئذنة الثالثة فهي مئذنة العروس في منتصف الحائط الشمالي. والرأي عندي ان المسلمين لم يكتفوا بالصوامع فقط لبناء المآذن فوقها. ولكنهم اقاموا هذه المئذنة مستقلة ومتحررة من الصوامع.
/>وقد اختلط الامر على بعضهم، ورأى ان كلمة «صومعة» تشير إلى البرج فقط. ولكن الدكتور شافعي بدا مطمئنا تماما ان كلمة صومعة تشير إلى البرج والمئذنة معاً. ومع الزمن تساقطت هذه المآذن أو قممها وأعيد البناء مرة اخرى وما يؤكد ذلك ان المئذنة الغربية تقف على برج اصلي هو المتبقي اصليا إلى الآن. وان كانت المئذنة نفسها قد اعيد بناؤها.
/>والشافعي هو العالم الوحيد تقريبا الذي لم يشكك في رواية البلاذري عن مئذنة سنة 44 هـ في البصرة، ولم يغلف رأيه حولها بالظنون، ولكنه أكد وجودها مبينا ان أمر الخليفة معاوية لمسلمة بن مخلد بشأن بناء صوامع بالفسطاط - هذا الأمر - كان شاملا لكل ولايات الدولة، ومن بينها البصرة. ولم تكن هناك حكمة في ان يختص الخليفة «مصر» فقط بهذا الأمر. ومنطقيا فإن والي العرق قد صدر له نفسه الأمر، بدليل ان الفارق الزمني بين مئذنة البصرة سنة 44هـ ومآذن الفسطاط سنة 53هـ هو فارق زمني بسيط، وفي عصر خليفة واحد.
/>اما حكاية ارتياح المستشرقين لرواية ابن دقماق والمقريزي فقد كان بسبب النص الذي اورده المقريزي بخصوص انها - أي صوامع الفسطاط - تقلد صوامع المعبد القديم في دمشق، وانها قد شيدت بهدف الأذان، واعتماد رواية الفسطاط وانكار رواية البصرة ليس لها ما يسوغها، إذ لا معنى اطلاقا لقبول واحدة ورفض الاخرى، لأن المنطق حينئذ يكون غير موفق وفي غير محلة. مع ان المؤرخين ينظرون إلى الروايات السابقة نظرة تصديق دائما فكلتا الروايتين تروي خبرا واحدا، في عصر واحد، وان بعدت المسافات. ويجب التنبيه على ان الإدارة التي تدير الموقعين البصرة والفسطاط هي إدارة واحدة، وهي الخلافة في دمشق.
/>إذا كان للمصريين بد من اقتباس العنصر المعماري، فالأولى هو ان يقتبسوه من مصر نفسها خصوصا ان منارة الاسكندرية التي كان تملأ الدنيا شهرة تصلح بالاقتباس نفسه، وبالنظام والقاعدة نفسيهما. وهذا المنطق ذاته يفرض نفسه بالنسبة إلى مآذن المغرب الإسلامي من حيث الاقتباس من الاسكندرية القريبة منهم، وليس من الشام البعيدة عنهم، خصوصا ان لمنارة الاسكندرية شهرة كبيرة بوصفها احدى عجائب الدنيا السبع وانها أكثر ارتفاعا من صوامع معبد دمشق، وأمتن في بنائها، واجمل شكلا، واوضح عملاً. وأكثر من هذا ففكرة عمل البرج المرتفع هي فكرة قديمة، وعنصر معماري معروف من عصور سحيقة، ومن ثم فهو ليس ابتكارا رومانيا أو بيزنطيا بالشام. ولكن الربط به، لأنه كان موجودا، ولسابقة وجود كنيسة في الموقع، ولأنه عنصر قريب زمنيا من العصر الإسلامي. أما لو تم الاستشهاد أو الاقتباس من منارة الاسكندرية فهي قديمة، وتعود إلى عصور سابقة وبعيدة، والفضل في رأي المستشرقين لن يعود إلى العرب، وهو هدفهم دائما.
/>علاقة المنار بالمئذنة تتيح لنا من ان المئذنة أدت دورا كبيرا في هداية السفن بسبب ارتفاعها «على شواطئ البحار والانهار» أو لإرسال اشارات التحذير والتنبيه والانذار. وقد قال عنها «المقدسي» في «أحسن التقاسيم» عندما تكلم عن «رباطات عمواس بفلسطين»، فقال: «ولهذه القصبة رباطات على البحر، يقع بها النفير، وتقلع اليها شلنديات الروم وشوانيها - نوعان من السفن - وقد ضج بالنفير كلما تراءت مراكبهم، فإن كان ليلا أوقدت منارة ذلك الرباط، وان كان نهارا دخنوا، ومن كل رباط إلى القصبة منارة شاهقة. وقد رتب فيها أقوام، فتوقد المنارة للرباط، ثم التي تليها، ثم الأخرى فلا يكون إلا ساعة وقد انفر بالقصبة وضرب الطلب على المنارة، ونودي إلى ذلك الرباط وخرج الناس بالسلاح والقوة».
/>نسبة مآذن المغرب العربي إلى أصل شامي - روماني هي نسبة ظالمة، ونسبة مئذنة القيروان إلى ابراج الكنيسة نسبة جائرة، وللعلم فإن المئذنة كعنصر معماري يبدأ من مستوى سطح الأرض خصوصا في عصر الولاة في تكوين معماري
/>