عندما اخذ الوجود الاسلامي يضعف في شبه جزيرة الاندلس بسبب التفكك الذي اصابه بعد زوال الوحدة والقوة اللتين سادتا البلاد في ظل الدولة الاموية التي اسسها عبدالرحمن الداخل، الملقب بصقر قريش، وبقيت زهاء ثلاثة قرون (138 - 422 هـ، 755 - 1031م) ولكنها انقسمت إلى ممالك وامارات على رأس كل منها ملك او سلطان او امير. ودب الخلاف والتنافس بين هؤلاء. وغالبا ما كان ينشب بينهم الصراع وتقوم الحروب، بل وصل العداء بينهم إلى الحد الذي دفع بعضهم إلى الاستعانة بالاعداء ضد اخوته وابناء وطنه (1)، وعم الخوف والهلع بين سكان الاندلس بسبب الاضطرابات والحروب بين حكامها، مما شجع اعداءهم إلى غزوهم فاستطاعوا ان يستولوا على اراض واسعة ومدن زاهرة اهمها مدينة طليطلة التي كانت تقع وسط الاندلس، عبر عن ذلك شاعرهم: عندما قال:حثوا رواحلكم يا اهل اندلسفما المقام بها الا من الغلطالثوب ينسل من اطرافه وارىثوب الجزيرة منسولا من الوسطلم يكن في قدرة دول الطوائف الدفاع عن البلاد وحمايتها من غزوات الاسبان الذين تحالفوا مع الفرنجة من الايطاليين والفرنسيين، لذلك اتجهوا إلى طلب العون والنجدة من القائد الفذ مؤسس دولة المرابطين في المغرب يوسف بن تاشفين الذي استجاب لطلبهم ولبى النداء وقرر نجدة الاندلس واهلها في ذلك الوقت الذي كانت فيه تهددها الاخطار من كل جانب. وكان رجلا مؤمنا تقيا مطيعا لامر الله في قوله جل شأنه: (وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير) (الانفال 72).وبدأت قوات المرابطين الاستعداد للموقعة التاريخية، وتتابع وصولها من جميع انحاء المغرب إلى مضيق جبل طارق. وعبرت إلى الاندلس وعلى رأسها قائدها يوسف بن تاشفين الذي كان عمره آنذاك ثمانين عاما.وعندما علم الفونسو السادس ملك قشتالة بعبور ابن تاشفين وجيوشه إلى الاندلس ارسل يستنجد بحلفائه من ملوك اوروبا. وتتابعت لنجدته الجيوش من ايطاليا وفرنسا وغيرها. وقبل القتال بعث اليه يوسف بن تاشفين يدعوه إلى الاسلام والكف عن الاعتداء على المسلمين وديارهم والا فانها الحرب. فاجابه الفونسو بكتاب غليظ فيه تهديد ووعيد وانذره بأوخم العواقب. ولكن يوسف بن تاشفين رد عليه بكلمات فقط قال فيها:«الذي يكون ستراه».وتأهب الفريقان للقتال في مكان يعرف بالزلاقة في وسط الاندلس وقبل نشوب القتال، حاول الفونسو ان يخدع المسلمين في تحديد يوم المعركة. فارسل اليهم رسالة قال فيها:«ان غدا يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده السبت يوم اليهود وهم كثير في محلتنا وبعده الاحد وهو عيدنا، فيكون اللقاء يوم الاثنين».وعقد يوسف بن تاشفين مجلس المشورة الذي يضم كبار القوات والعلماء واهل الرأي وعرض عليهم الرسالة، فاجمعوا على انها خدعة، وان الهجوم سيكون فجر الجمعة على معسكرهم من الاعداء. واتفقوا على ارسال السرايا لاستطلاع الاخبار عند العدو، وتأكد لهم صدق ما قالوا. واعلنوا الاستعداد في تلك الليلة. وهذا احد ابرز واهم مظاهر اليقظة والحس الاستراتيجي لديهم الذي جعلهم يكونون على اهبة للقاء العدو عند بدء الهجوم ايمانا بقوله سبحانه وتعالى: (يا ايها الذين امنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات او انفروا جميعا) (النساء 71).ودارت المعركة التاريخية صباح يوم الجمعة 12 رجب سنة 479 هـ، 23 تشرين اول، اكتوبر سنة 1086م واشتد القتال بين الفريقين واندحر المسلمون عن مواقعهم في بداية القتال ثم تقدم يوسف بن تاشفين بقوات الاحتياط التي ادخرها لهذه اللحظة، وهم من فرسان المرابطين وحرسه الخاص من الافارقة ولم يتجه إلى صفوف الاعداء مباشرة بل دار خلف خطوطهم واقتحم معسكرهم ومركز تموينهم مباشرة واستطاع ان يهزم الفونسو وجيوش اوروبا ويستولي على معسكرهم وفر ذلك الملك وهو مجروح ونجا من الموت بصعوبة. وسلمت الاندلس لاهلها واستمرت الحضارة الاسلامية فيها بعد هذه الموقعة قرابة خمسة قرون (2).لقد احرز المسلمون النصر في هذه المعركة، الفاصلة التي تماثل معركة حطين في المشرق العربي، بفضل الوحدة والايمان بنصر الله لهم والثقة بالنفس ونبذ الخلافات وتقديم المصلحة العليا على المصالح الخاصة وصدق وعد الله لهم في قوله تعالى:(يا ايها الذين امنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم) (محمد 7).وصف الشاعر الاندلسي ابو طالب بن عبدالجبار ذلك النصر فقال:فاذا اراد الله نصر الديناستصرخ الناس ابن تاشفينوواصل السير إلى الزلاقةوساقه يومها ما ساقهلله در مثلها من وقعةقامت بنصر الدين يوم الجمعة