| يوسف القعيد |
الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم «الأحد» الثلاثين من يونيو، تحركت مسيرة المثقفين من الفيلا التي تحتلها وزارة الثقافة عند تقاطع** طريق الكورنيش مع آخر شارع شجرة الدر بالزمالك.
كنت هناك.. تصورت أن اتجاه المسيرة ناحية النادي الأهلي والمجلس الأعلى للثقافة ودار الأوبرا، ثم كوبري قصر النيل، وهو الطريق الأسهل والأسرع.
لكن الصديق خالد يوسف، وهو مخرج بطبعه، وتسيطر على عقله فكرة المشهدية رفض ذلك، سرنا في شارع شجرة الدر بالعكس، ربما كانت عقليتي قديمة لأنني تصورت أن المسيرة يجب أن تسير في اتجاه السير الطبيعي، لكن خالد يوسف لم يعبأ بطرق السير التقليدية، قال لي انها ثورة تكسر كل ما كان سائدا.. سرنا حتى آخر شجرة الدر، وأكملنا السير في شارع 26 يوليو.. الذي لاتزال الجماهير تسميه بشارع فؤاد.
سرنا في الجزء البرجوازي منه.. فشارع فؤاد يبدأ من العتبة وينتهي في ميدان سفنكس. فيه جزء تجاري نواحي العتبة حتى الاسعاف.. وجزء فقير من الاسعاف حتى كوبري أبوالعلا، وجزء غني يمر بالزمالك ويصل الى المهندسين، انه الشارع الذي يجسد الحالة المصرية كاملة، ولو كنت قاهريا لكتبت رواية بطلها رصيف هذا الشارع.
سرنا في شارع 26 يوليو حتى كورنيش النيل، ثم أكملنا بمحازاة النيل حتى منتصف الطريق، ودخلنا في شارع ينتهي بنا الى الميدان الذي تطل عليه دار الأوبرا... ويبدأ عنده كوبري قصر النيل، وكنا نسير باتجاه عكسي. ربما بدأت المسيرة بخمسة آلاف مثقف كان أغلبهم من الفنانين والفنانات. وأقلهم من الكتاب والأدباء - للأسف الشديد.
لكن المسيرة عندما وصلت الى أول كوبري قصر النيل.. ربما تعدى الرقم الخمسة عشر ألفا، لم يكن معي عداد. ولكنها أرقام ناتجة عن الرؤية بالنظر أكثر من أي اعتبار آخر. وأعتقد أن الاحساس ربما كان أدق من عمليات الحساب كلها.
لاحظت على المسيرة أن أهل الزمالك، وهو الحي الغني الفاخر الذي كنا نخشى المشي فيه عندما وصلت للقاهرة في منتصف ستينيات القرن الماضي. واعتبرته حي الأغنياء والديبلوماسيين، انه الحي الذي يسكن فيه من يرون النيل في الصباح ويودعونه في المساء. لكن أهالي الزمالك سكان العمارات العالية أطلوا على المسيرة من شرفات منازلهم، ولوحوا بأعلام مصر وقدموا للمسيرة كل ما يستطيعون تقديمه. المياه المثلجة والعصائر وربما الأطعمة الخفيفة، من الصعب أن تدفع الناس للضحك أو للشعور بالسعادة أو الابتسام، يمكن أن تجبرهم على المجيء... وتوقفهم صفوفا، لكنك لا تستطيع أن تلصق على وجوههم لحظة احتضان الوطن.
من انضموا للمسيرة كانوا من يمشون في الشوارع... ربما فيهم من يعملون في المطاعم وفي المقاهي، وكانت كلها - أو معظمها - مغلقة في هذا اليوم بسبب حملات الترويع التي قام بها رموز الاسلام السياسي في مصر عبر الفضائيات الدينية. وتصدير الخوف وتجارة الموت التي أشاعوها في أوساط الناس... أصحاب بعض المحال أغلقوها، لكن الناس لم تستجب للحملات ونزلت للشوارع وشاركت في المسيرة ورددت الهتافات.
عند آخر شارع 26 يوليو وأول الكورنيش رأينا ضابط شرطة يُؤمِّن المكان. ولا تتصور حالة الفرح والحبور والتقاط الصور معه والهتاف له كما رأيتها في المسيرة. لا تمر مرور الكرام على التقاط الصور مع ضابط الشرطة الصغير.. كانت رتبته نقيب، يقولون عنها في الشارع المصري يوزباشي. وعندما تعرف أنه كان في المسيرة معنا: ليلى علوي ويسرا والهام شاهين ونادية الجندي وأحمد حلمي ومنى زكي وخالد الصاوي وهاني رمزي، وغيرهم كثيرون من أهل الفن. ومن النجوم التي يمكن أن يحلم أي مواطن مصري بالتقاط صورة مع أحدهم.
لكن بطل التقاط الصور في ذلك اليوم كان نقيب الشرطة بلبسه الأبيض وبتحيته لنا وبتلويحه للمسيرة بعلم مصر.. وأنا كنت أتصور أن التحولات الاجتماعية تحتاج لسنوات وسنوات، وبالتالي فان موقف الشرطة من الناس والعقل الجمعي للمصريين قبل الشرطة قد يحتاج فترات ليست قصيرة حتى يتحول. لكني رأيته متحولا بين يوم وليلة.
عندما شاهدت ضابط الشرطة على البعد تخوفت أن يعترضنا وتحدث الصدامات التي نسمع عنها كثيرا... وتخوفت أيضا أن يهتف الشباب ضد الشرطة فيحدث الصدام. لكن لا تخوفي الأول حدث، ولا تخوفي الثاني وقع، وتلاقى المصريون مع شرطتهم وكأن شيئا لم يكن. تذكرت العبارة التي يقولونها في الأحياء الشعبية عقب أي مشادة ربما وصلت لخناقة سالت فيها الدماء. وعند لحظة الصلح يقولون: صافي يا لبن، فيردون عليهم: حليب يا قشطة.
لا أحدد لك عدد الفضائيات التي كانت. والسيارات التي كانت تحمل ميكروفونات لترديد الهتافات. الفنان سامح الصريطي كان ينحت الهتافات.. أخذ منه الميكروفون خالد صالح.
ويبدو أنه يستند لثقافة ما.. سبق لي أن تبادلت الكلام معه في أكثر من مناسبة. وعندما جاء ليشاركنا الاعتصام حدثني طويلا عن فيلمه المعروض: «الحرامي والعبيط». وسألني هل شاهدته؟، قلت له وأين الوقت وأين العقل.. الذي يمكن أن يشاهد فيلما الآن؟، لكن خالد صالح أخذ الميكروفون من سامح الصريطي وردد هتافات كثيرة. ربما ارتفع مستواها على العامة قليلا.. لكنهم رددوها وراءه.
عند منزل كوبري أكتوبر الموصل للزمالك الخاص بالسيارات.. رأيت ضباط الشرطة يمنعون السيارات من النزول حتى نتمكن من الاستمرار في مسيرتنا. وأصحاب السيارات توقفوا تماما، راضين، ملوحين لنا، سعداء بنا، ولم يعترض أحدهم رغم أن التوقف ربما عطلهم عن مصالح مهمة.
لكنها حالة أهل مصر عندما يصير الكل في واحد. وهي العبارة التي نحتها توفيق الحكيم في رائعته: «عودة الروح». وهو يصف ثورة 1919 في الرواية التي كتبها بعد هذه الثورة بتسع سنوات... ونشرها بعدها باحدى عشرة سنة.
فوق كوبري قصر النيل كان طابور البشر ينتهي في ميدان التحرير. ويبدأ في ميدان الدقي. وعلى طول المسافة التي ربما تجاوزت الكيلو مترات العديدة كانت الناس تزحف بروح جديدة وأحاسيس جديدة وعلاقة جديدة بالوطن. وكانت الهتافات تعلو من كل مجموعة. وكانت عبقرية شباب مصر القادر على نحت الهتافات تتجلى في ما يسمعه الآن.
عند منتصف كوبري قصر النيل استمعت لشاب يبيع الأعلام... كان راكنا ظهره للسور الحديدي للكوبري. وكان يتقافز ويبيع وفي نفس الوقت يردد الهتافات غير خائف من النيل الهادر تحته. لأنه نسي كل شيء الا مصر، والعلم الذي يبيعه والصافرة التي في يده والكلمات العظيمة التي يرددها.
كان الشاب يقول:
- ادي لظلمك ميت شلوت
مصر حترجع بنت بنوت.