| يوسف القعيد |
في اليوم نفسه الذي نشر فيه مقال الأسبوع الماضي في هذه الزاوية، يوم «الثلاثاء» اتصل بي صديقي الشاعر ورجل الأعمال الفلسطيني **خالد عبد الهادي، وضح لي بعض المعلومات حول مسرحية يوسف إدريس: اللحظة الحرجة.
قال لي إنها منشورة في دار مصر للطباعة ضمن مؤلفات يوسف إدريس، ثم نشرت في دار نهضة مصر كجزء من الأعمال الكاملة ليوسف إدريس التي صدرت أخيراً من الدار.
ولأن خالد عبد الهادي محدد ودقيق قال لي إنه يعرف مسماها: اللحظة الحرجة، لكنه لا يعرف أنها كتبت أولا تحت اسم: الباب، أيضا لا يعرف إن كانت قد قُدّمت على المسرح أم لم يتم تقديمها وما زالت نصا مسرحيا مكتوبا في كتاب، وخالد عبدالهادي لمن لا يعرف موسوعة كنت أتصور أنه تخصص في شؤون الأستاذ محمد حسنين هيكل، لكن الرجل يمد اهتمامه وبصره ومعرفته إلى شؤون أخرى كثيرة، لم أكن أتصور أن من بينها يوسف إدريس ومؤلفاته، فله مني كل الشكر.
بحثت عن «اللحظة الحرجة» في مكتبتي فلم أجدها، ذهبت إلى مكتبتي القديمة في الحي السابع في مدينة نصر، وفيها ركن خاص بيوسف إدريس، وكالعادة وجدت معظم أعماله الأخرى ولم أجد اللحظة الحرجة.
لي مكتبة في قريتي الضهرية مركز إيتاي البارود بحيرة، لكنها بعيدة، والطرق ربما كانت مقطوعة، وما يدريني أن الكتب التي بها ما زالت كما هي؟ تركت القرية منذ سنوات وعندما أزور قريتي «تخاطيف» بين الحين والآخر لا يكون هناك وقت لإلقاء نظرة على المكتبة في دارنا القديمة.
ولصعوبة التعامل مع المكتبات غير المنظمة، فإن أي كتاب أحتاجه اكتشف أن أسهل طريقة للحصول عليه النزول إلى المكتبات أو سور الكتب القديمة والبحث عن نسخة جديدة منه، لدرجة أنني متأكد أن مكتبتي فيها كتب مكررة لا تحصى ولا تعد، لكن أين الوقت لترتيب الكتب وتصنيفها ووضعها في أماكنها، أحيانا عند وجودي في المجلس الأعلى للثقافة يقترب مني شاب أو فتاة ويقدم لي نفسه باعتباره منسق مكتبات، أُصاب بالدهشة من مسمى الوظيفة، يقول أو تقول لي إنها وظيفة شائعة في العالم كله الآن، معه أو معها كارت فيه البيانات والتلفونات والبريد الإلكتروني، أفكر في الاعتماد على منسق أو منسقة مكتبات، لكنني أتوقف في منتصف الطريق وأقول إن العلاقة بكتبي علاقة شديدة الإنسانية، لا يمكن تركها للآخرين كي يقوموا بها.
لجأت لأصدقائي أصحاب مكتبات مدبولي، أبناء صديقي المرحوم الحاج محمد مدبولي- ألف رحمة ونور عليه - بحثوا بصدق في مخازنهم الكثيرة وردوا عليَّ بأنهم لم يتوصلوا لمسرحية اللحظة الحرجة ليوسف إدريس، قالوا لي إن دور النشر الكبيرة تتعامل مع الكتاب الكبار - وفي المقدمة منهم نجيب محفوظ - على طريقة خيل الحكومة، ما إن ينفد كتاب حتى يسقط من الحساب ولا يُعاد طبعه، إلا في حالات استثنائية ونادرة مثل أن يكون الكتاب مقررا على طلبة إحدى الكليات.
أعود لحكايتي حول اعتصام المثقفين والفنانين في وزارة الثقافة.
وأنا باعتباري مشتغلا بالثقافة متردد، أتردد بصورة قد يضيع مني كثير من الفرص المتاحة والمهمة، وعلاوة على التردد وهو شيء أحمده لأنه يحول بين التسرع واتخاذ قرارات قد يندم الإنسان بسببها، فإن الإنسان يحب أن يستشير القريبين منه، إيمانا مني بأن رأيين أفضل من رأي واحد، وثلاثة آراء أفضل من رأيين، لا علاقة للأمر بما يقولون عنه الديموقراطية أو الليبرالية، ولكنها مسألة تعكس الرغبة في أن يسلك الإنسان الطريق القريب من الصواب، لأن الصواب من رابع المستحيلات بالنسبة لنا نحن البشر.
اتصلت بالدكتور صابر عرب كصديق وليس باعتباره وزير ثقافة سابقا، تربطني به «عِشرة عُمر» ليس هنا مجال لسردها أو الكلام عنها، اتصلت به مُكرها، لأن الرجل منذ أن ترك وزارة الثقافة لا يحب الكلام عنها ويستشعر الحرج عندما يضطر لإبداء رأيه في أي قضية تخصها، وكثيرا ما يثار كلام أمامه عن الوزارة وأحوالها، لكنه يعزل نفسه عن الكلام ولا يحب إبداء رأيه كمثقف عادي.
لم يرحب بفكرة الاعتصام أو الاقتحام، طبعا بدأ كلامه بأنه لا علاقة له بالأمر، وغير مهتم بما يجري، ولا يتابعه، ثم إن فكرة الاقتحام أو الاعتصام مسألة صعبة، وأن يُقدِم عليها أهل الثقافة تبدو أشد صعوبة، وعندما أكدت له أن هناك إجماعا من الجماعة الثقافية المصرية على ذلك، قال إنه يترك الأمر لنا ونحن نقدّر ما نراه صوابا، هل غيّر صابر عرب رأيه بعد الاعتصام؟ هنا ندخل في دائرة صعبة من الأفضل عدم استكمال الكلام فيها، لأن الحساسيات تكمن وراء أحرف الكلمات.
اتصلت بالأستاذ محمد حسنين هيكل، والرجل صاحب صدر رحب يستمع بعناية لمن يتكلم معه رغم صعوبة التواصل عبر التلفونات المحمولة، لكنه استمع لي ونشطت بداخله حاسة التقاط الأخبار ومعرفتها، قال لي إن مجرد اتصالي به يعني أنني متردد في الأمر، ربما لا أحب المشاركة فيه، ولو كان قرار المشاركة ناضجا بداخلي ما اتصلت بأحد.
سألني عن صاحب الفكرة، قلت له إنه الصديق المثقف المخرج السينمائي خالد يوسف، وسأل عن بعض أسماء الذين سيشاركون في هذا العمل، ثم قال لي بطريقته الحاسمة الجامعة المانعة: إنه لا يوجد في هذا العالم ما يمكن أن يسمى بالنصيحة، أن يأخذ شخص ما شكل الناصح الأمين ويقدم نصيحته لأحد، وهذا الواحد مشكوك في أن يستمع للنصيحة وينفذها، كل إنسان يستمع لصوته الداخلي ويستجيب لما يمكن أن يستجيب لما يقوله هذا الصوت الداخلي له.
كان الاتصال الثالث والأخير بالدكتور أحمد العزبي، لصيدلي، نعم، لكن الرجل صاحب صالون ثقافي، عمره الآن أكثر من عشر سنوات، نلتقي فيه بشكل مستمر، ثم إن الدكتور العزبي ذهب معي إلى منزل نجيب محفوظ، وذهب معي إلى مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، لكنها حكايات جانبية لا مكان لها الآن.
كان موقف أحمد العزبي شديد الوضوح منذ اللحظة الأولى، شجع الاقتحام وشجع الاعتصام، وقال إنه لا حل سوى هذا، وهم الذين يدفعوننا لذلك بإدارة بالغة الغرابة لشؤون بلد مهمة مثل مصر، فهم لا يدركون أهمية الثقافة، وأنها تتعدى عبارة القوى الناعمة، ربما كانت القوى الباقية والأساسية لمصر على مر التاريخ كله، قال لي إنه لو كان مكاني لذهب من دون تردد ودون تفكير.
لم يكتف أحمد العزبي بما قاله في الاتصال التلفوني، بل أرسل لي رسالة طويلة على الموبايل فيها عبارات للإمام الشافعي وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز عن الإقدام على الفعل قبل أن يأخذنا التفكير إلى ما يمكن أن يثبّط الهمم ويقلل من العزائم، ولأنني لست من محترفي الموبايلات فلم أستطع الاحتفاظ برسالته الطويلة لأنها درس في الإقدام والشجاعة والعمل.
في اليوم نفسه الذي نشر فيه مقال الأسبوع الماضي في هذه الزاوية، يوم «الثلاثاء» اتصل بي صديقي الشاعر ورجل الأعمال الفلسطيني **خالد عبد الهادي، وضح لي بعض المعلومات حول مسرحية يوسف إدريس: اللحظة الحرجة.
قال لي إنها منشورة في دار مصر للطباعة ضمن مؤلفات يوسف إدريس، ثم نشرت في دار نهضة مصر كجزء من الأعمال الكاملة ليوسف إدريس التي صدرت أخيراً من الدار.
ولأن خالد عبد الهادي محدد ودقيق قال لي إنه يعرف مسماها: اللحظة الحرجة، لكنه لا يعرف أنها كتبت أولا تحت اسم: الباب، أيضا لا يعرف إن كانت قد قُدّمت على المسرح أم لم يتم تقديمها وما زالت نصا مسرحيا مكتوبا في كتاب، وخالد عبدالهادي لمن لا يعرف موسوعة كنت أتصور أنه تخصص في شؤون الأستاذ محمد حسنين هيكل، لكن الرجل يمد اهتمامه وبصره ومعرفته إلى شؤون أخرى كثيرة، لم أكن أتصور أن من بينها يوسف إدريس ومؤلفاته، فله مني كل الشكر.
بحثت عن «اللحظة الحرجة» في مكتبتي فلم أجدها، ذهبت إلى مكتبتي القديمة في الحي السابع في مدينة نصر، وفيها ركن خاص بيوسف إدريس، وكالعادة وجدت معظم أعماله الأخرى ولم أجد اللحظة الحرجة.
لي مكتبة في قريتي الضهرية مركز إيتاي البارود بحيرة، لكنها بعيدة، والطرق ربما كانت مقطوعة، وما يدريني أن الكتب التي بها ما زالت كما هي؟ تركت القرية منذ سنوات وعندما أزور قريتي «تخاطيف» بين الحين والآخر لا يكون هناك وقت لإلقاء نظرة على المكتبة في دارنا القديمة.
ولصعوبة التعامل مع المكتبات غير المنظمة، فإن أي كتاب أحتاجه اكتشف أن أسهل طريقة للحصول عليه النزول إلى المكتبات أو سور الكتب القديمة والبحث عن نسخة جديدة منه، لدرجة أنني متأكد أن مكتبتي فيها كتب مكررة لا تحصى ولا تعد، لكن أين الوقت لترتيب الكتب وتصنيفها ووضعها في أماكنها، أحيانا عند وجودي في المجلس الأعلى للثقافة يقترب مني شاب أو فتاة ويقدم لي نفسه باعتباره منسق مكتبات، أُصاب بالدهشة من مسمى الوظيفة، يقول أو تقول لي إنها وظيفة شائعة في العالم كله الآن، معه أو معها كارت فيه البيانات والتلفونات والبريد الإلكتروني، أفكر في الاعتماد على منسق أو منسقة مكتبات، لكنني أتوقف في منتصف الطريق وأقول إن العلاقة بكتبي علاقة شديدة الإنسانية، لا يمكن تركها للآخرين كي يقوموا بها.
لجأت لأصدقائي أصحاب مكتبات مدبولي، أبناء صديقي المرحوم الحاج محمد مدبولي- ألف رحمة ونور عليه - بحثوا بصدق في مخازنهم الكثيرة وردوا عليَّ بأنهم لم يتوصلوا لمسرحية اللحظة الحرجة ليوسف إدريس، قالوا لي إن دور النشر الكبيرة تتعامل مع الكتاب الكبار - وفي المقدمة منهم نجيب محفوظ - على طريقة خيل الحكومة، ما إن ينفد كتاب حتى يسقط من الحساب ولا يُعاد طبعه، إلا في حالات استثنائية ونادرة مثل أن يكون الكتاب مقررا على طلبة إحدى الكليات.
أعود لحكايتي حول اعتصام المثقفين والفنانين في وزارة الثقافة.
وأنا باعتباري مشتغلا بالثقافة متردد، أتردد بصورة قد يضيع مني كثير من الفرص المتاحة والمهمة، وعلاوة على التردد وهو شيء أحمده لأنه يحول بين التسرع واتخاذ قرارات قد يندم الإنسان بسببها، فإن الإنسان يحب أن يستشير القريبين منه، إيمانا مني بأن رأيين أفضل من رأي واحد، وثلاثة آراء أفضل من رأيين، لا علاقة للأمر بما يقولون عنه الديموقراطية أو الليبرالية، ولكنها مسألة تعكس الرغبة في أن يسلك الإنسان الطريق القريب من الصواب، لأن الصواب من رابع المستحيلات بالنسبة لنا نحن البشر.
اتصلت بالدكتور صابر عرب كصديق وليس باعتباره وزير ثقافة سابقا، تربطني به «عِشرة عُمر» ليس هنا مجال لسردها أو الكلام عنها، اتصلت به مُكرها، لأن الرجل منذ أن ترك وزارة الثقافة لا يحب الكلام عنها ويستشعر الحرج عندما يضطر لإبداء رأيه في أي قضية تخصها، وكثيرا ما يثار كلام أمامه عن الوزارة وأحوالها، لكنه يعزل نفسه عن الكلام ولا يحب إبداء رأيه كمثقف عادي.
لم يرحب بفكرة الاعتصام أو الاقتحام، طبعا بدأ كلامه بأنه لا علاقة له بالأمر، وغير مهتم بما يجري، ولا يتابعه، ثم إن فكرة الاقتحام أو الاعتصام مسألة صعبة، وأن يُقدِم عليها أهل الثقافة تبدو أشد صعوبة، وعندما أكدت له أن هناك إجماعا من الجماعة الثقافية المصرية على ذلك، قال إنه يترك الأمر لنا ونحن نقدّر ما نراه صوابا، هل غيّر صابر عرب رأيه بعد الاعتصام؟ هنا ندخل في دائرة صعبة من الأفضل عدم استكمال الكلام فيها، لأن الحساسيات تكمن وراء أحرف الكلمات.
اتصلت بالأستاذ محمد حسنين هيكل، والرجل صاحب صدر رحب يستمع بعناية لمن يتكلم معه رغم صعوبة التواصل عبر التلفونات المحمولة، لكنه استمع لي ونشطت بداخله حاسة التقاط الأخبار ومعرفتها، قال لي إن مجرد اتصالي به يعني أنني متردد في الأمر، ربما لا أحب المشاركة فيه، ولو كان قرار المشاركة ناضجا بداخلي ما اتصلت بأحد.
سألني عن صاحب الفكرة، قلت له إنه الصديق المثقف المخرج السينمائي خالد يوسف، وسأل عن بعض أسماء الذين سيشاركون في هذا العمل، ثم قال لي بطريقته الحاسمة الجامعة المانعة: إنه لا يوجد في هذا العالم ما يمكن أن يسمى بالنصيحة، أن يأخذ شخص ما شكل الناصح الأمين ويقدم نصيحته لأحد، وهذا الواحد مشكوك في أن يستمع للنصيحة وينفذها، كل إنسان يستمع لصوته الداخلي ويستجيب لما يمكن أن يستجيب لما يقوله هذا الصوت الداخلي له.
كان الاتصال الثالث والأخير بالدكتور أحمد العزبي، لصيدلي، نعم، لكن الرجل صاحب صالون ثقافي، عمره الآن أكثر من عشر سنوات، نلتقي فيه بشكل مستمر، ثم إن الدكتور العزبي ذهب معي إلى منزل نجيب محفوظ، وذهب معي إلى مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، لكنها حكايات جانبية لا مكان لها الآن.
كان موقف أحمد العزبي شديد الوضوح منذ اللحظة الأولى، شجع الاقتحام وشجع الاعتصام، وقال إنه لا حل سوى هذا، وهم الذين يدفعوننا لذلك بإدارة بالغة الغرابة لشؤون بلد مهمة مثل مصر، فهم لا يدركون أهمية الثقافة، وأنها تتعدى عبارة القوى الناعمة، ربما كانت القوى الباقية والأساسية لمصر على مر التاريخ كله، قال لي إنه لو كان مكاني لذهب من دون تردد ودون تفكير.
لم يكتف أحمد العزبي بما قاله في الاتصال التلفوني، بل أرسل لي رسالة طويلة على الموبايل فيها عبارات للإمام الشافعي وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز عن الإقدام على الفعل قبل أن يأخذنا التفكير إلى ما يمكن أن يثبّط الهمم ويقلل من العزائم، ولأنني لست من محترفي الموبايلات فلم أستطع الاحتفاظ برسالته الطويلة لأنها درس في الإقدام والشجاعة والعمل.