| جمال الغيطاني |
/> ... فالهنود يهزون رؤوسهم من اليسار الى اليمين للتعبير عن الرضا، على عكس الثقافات الأخرى التي تعني عندهم هذه الايماءة النفي، والطريف ما يتعلق بالقبلات، في عاداتنا العربية يمكن للرجل أن يقبِّل صاحبه عند اللقاء، في أوروبا والغرب عموما اذا قبل الرجل صاحبه أو اذا مشى متأبطا ذراعه فهذا يعني أنهما شواذ، في الغرب يقبل الرجل يد المرأة علامة الاحترام، أو وجنتها علامة على المودة.
/>أما في واقعنا العربي فهذا مستهجن وربما يؤدي الى المشاكل ولا يقبل الرجل المرأة الا في الشرائح العليا المتفرنجة.
/>وأذكر أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر قبل السيدة جيهان السادات أثناء احدى الزيارات الى الولايات المتحدة، بالنسبة له هذا عادي جدا، ولكن بالنسبة للشعب المصري كان الأمر بمثابة صدمة، ويبدو أن الأصداء وصلت وأبلغت الى الجانب الأميركي، فلم يتكرر ذلك فيما بعد.
/>وفي الغرب اذا قبل الرجل المرأة في شفتيها وبادلته فهذا يعني أول الوصال والاندماج، أما اذا كانت القبلة على الجبهة فهذا يعني الحنان المجرد، وغالبا ما يكون ذلك صادرا من أحد الوالدين الى أحد الأبناء.
/>الألوان مثلا جزء من الشفرة الاجتماعية، في الصين يعتبر اللون الأبيض رمزا للحزن والحداد، تماما كما كان الأمر في مصر القديمة، اذ كان أوزير، سيد العالم الآخر، يصور دائما في لباس أبيض يحيط جسده بمثابة كفن، ولكن رمز الموت الآن هو السواد، ورمز العنف الأحمر لون الدم، والسلام الأخضر كما أن الرمز يمكن أن يكون دينيا أيضا، فالسواد كان شعار العباسيين، والبياض كان شعار الأمويين، والأخضر كان شعار آل البيت، وهو الآن في مصر رمز للصوفية، ورموز الألوان عالم قائم بذاته، ولكنني ضربت تلك الأمثلة من وحي تلك الدراسة الممتعة العميقة، لا تتوقف الدكتورة سيزا قاسم عند المصادر الغربية فقط، انما تكشف عن ثقافة تراثية عميقة، عندما تذكر دلالات الصمت كما ذكرها الجاحظ في «البيان والتبيين» في فصل خاص أورد فيه حالات الصمت وتفسيراتها.
/>فقد يكون علامة على الرضا والقبول، وقد يكون علامة على السخط وكظم الغيظ، واعتبره ابن المقفع نوعا من البلاغة عندما سألوه عنها فقال: البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع.
/>الصمت مثل الكلام، له وظيفة دلالية، فيكون بليغا اذا كان قادرا على الاشارة الى معنى من المعاني، مثل الرضا أو السخط، كما أن درجة الصوت لها دلالة، فأمام أولي الأمر وأصحاب السلطة يكون هناك صوت ذو طبقة معينة.
/>وبهذه المناسبة أذكر أنني منذ عدة أسابيع، رأيت أستاذا جامعيا يتحدث أمام أحد كبار المسؤولين، من ذوي النفوذ والحظوة، وكانت المناسبة احتفالية من تلك الاحتفاليات المتعددة، وبعد أن بدأ الأستاذ خطابه بتحية الضيوف، وجَّه التحية الى المسؤول الكبير ولكنها لم تكن مثل الأخريات، تغير صوته فجأة، رق وشف وتنغم، وخيل اليّ أنه يلعق المسؤول ولا يمدحه، وقد أتت درجة الصوت والكلمات المعسولة الجميلة ثمارها على الفور، اذ سرعان ما صدر قرار بتعيين هذا الأستاذ في منصب مرموق يتبع الهيئة التي يرأسها ذلك المسؤول، اذن.. يمكن للصوت الذي يخيل الينا أنه مجرد أن يحمل من الشفرة والدلالات ما يؤدي الى نتيجة معينة، درجات الصوت لها معنى.
/>وفي أحاديثنا نسمع أحيانا من يقول «رفع صوته عليه...» علامة الجرأة والتهور أو نقص التربية، كما أن الأصوات نفسها تختلف من حيث الدلالة، فالصفير عندنا خلال المباريات الرياضية، خصوصا كرة القدم، يعتبر علامة تشجيع واعجاب، وفي بلاد أخرى يعتبر علامة سب وسخط.
/>واذا كان الرقص يعني عند كثير من الشعوب البهجة والفرح بالحياة فانه يعني في مصر القديمة وبعض شعوب أفريقيا دلالة على الحزن الذي يفقد الصواب.
/>وقد رأيت يوما مجموعة من النساء يرتدين الملابس السوداء يخرجن من احدى حارات القاهرة الشعبية وهن يتمايلن في حركات منبعثة من داخلهن، رافعات الأيدي، هذه الحركات تتشابه مع الرقص الذي نراه في الأفراح.
/>ولكن لأن الوقت كان نهارا في الصباح الباكر، ولأنهن في جمع، ولأن بعضهن كن يلطخن وجوههن بالنيلة الزرقاء أصبح مشهدهن معبرا عن الحزن الدفين.
/>تلك دلالات استعدتها بعد قراءة هذا البحث الممتع للدكتورة سيزا قاسم، الذي لم أعان على الاطلاق في قراءته، نتيجة استيعاب المؤلفة لأحدث المناهج وللتراث القديم وهضمهما جيدا، اضافة الى القدرة على العرض، وبسط الأفكار المعقدة للقارئ في مستوياته المختلفة بأسلوب واضح، والكتب الجيدة تساعدنا على فهم كثير من ظواهر الحياة، وتجعلنا نكتشف في العادي ما كان خافيا علينا، وعلم السيموطيقا يساعدنا على ذلك، ولكم أفضل مصطلح الدلالة أو الدلالات على السيموطيقا، فللمصطلح أصداء يونانية قديمة، ولكنني أستعيد ما ذكرته عن المفكر أحمد لطفي السيد رئيس المجمع اللغوي، فأقول، سيموطيقا، سيموطيقا مادام البحث الذي قدمته الدكتورة سيزا قاسم عميقا، سلسا يشرح ويفسر ويساعدنا على فهم غوامض الحياة.
/>