لماذا لَمْ يعد إبليسُ يخرج بنفسه على صورة بشر هذه الأيام؟ سنجيبُ عن ذلك بعد قليل، لقد جاء في السيرة النبوية أن إبليس المطرود من رحمة الله أتى إلى دار الندوة حين كان زعماء العرب مجتمعين ليبحثوا عن طريقة للتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعوته الغراء، ودخل إبليس عليهم على صورة رجل نجدي وهو الذي أشار على القوم بأن يختاروا عشرة شبّان أشداء؛ من كل قبيلة شاب ليقفوا حول دار النبي الكريم وحين يخرج يضربوه ضربة رجل واحد فيتوزع دمُه بين القبائل ويعجز حينها بنو هاشم عن الأخذ بثأره، وكان ذلك.. غير أن الله تعالى سلَّم نبيه من كيدهم، وتُصوِّرُ هذه المكيدةُ حالةً من حالات الغدر عند العرب! مع أن العرب اشتهروا بالكرم وبالصدق وبالشجاعة وبإيواء الضعفاء غير أنهم كانوا مستسلمين في جاهليتهم لأخلاق مقيتة منها سفك الدماء ووأد البنات وأكل الميتة وإشعال الحروب على أمور تافهة وعاشوا حياة تشرذم وتناحر وغزو يأكل فيها القويُّ الضعيفَ، ولم يسجلوا في تاريخهم أيَّ عزٍّ لهم سوى فترة وسطيتِهم وفهمهِمُ السليمُ لدينهم، وحين استهانوا بتعاليم دينهم وأخذتهمُ الدنيا في الأندلس خسروا أنفسهم وخسروا فُتوحاتهم وقروناً من الحضارة، وفي حالة أُخرى حين تشدَّدوا في أمر دينهم وتعصبوا أيضاً خسروا قوتَهم ومكانتهم في الشرق وفي العالم وأصبحوا دويلات.
وبالأمس القريب حين ثار المصريون ضد حكم الرئيس السابق حسني مبارك تعاطف العرب جميعاً مع هذه الثورة وامتلأ ميدان التحرير في القاهرة بالمصريين ولم نسمع حينها صوتاً يعارض حركةَ الشعب وعفويتَه، وإن كان للإخوان المسلمين زخم في ذلك ففي النهاية الإخوان جزء من الشعب المصري وليسوا يأجوج ومأجوج! وكتبتُ حينها مقالاً في «الراي» بعنوان: (نعم أنا مصري) وامتلأت مشاعرنا رضى تجاه ما اختاره أبناء مصر لأنفسهم، وبعد ذلك بدأ الأمر بالانحراف حين قفز الإخوان على الْحُكم، وقد يقول قائل: ألم تقل أن الإخوان من الشعب؟ ألا يحق لهم الْحُكمُ في مصر؟ وتقديم مشروع سياسي لإصلاح الدولة؟ أقول: بلى يحق لهم، ولكن هم الذين قالوا عن أنفسهم: نحن طلاب حق لا طلاب حُكم، وهم مَنْ قال بل وأعلنوا أنهم لن يشاركوا في انتخابات الرئاسة ثم فاجأوا الجميع برغبتهم، والمشكلة كلها تكمن في عشوائية التفكير عند الإخوان وخلط الألوان ببعضها والظهور بالمتناقضات دائماً والتراجع بعد اتخاذ القرار، فلا نحن عرفنا وطنيتهم ولا نحن حكمنا عليهم بالخيانة؛ ها هو النبي الكريم يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها...) أما الإخوان المسلمين فلا نعرف لهم لوناً، فتارة نراهم في سورية متشددين مؤيدين للقتال وقتل الناس مستندين على فتاوى (التمترس) في الفقه؛ وهي فتاوى شاذة تدفع نحو جواز قتل الناس المسالمين إن كان في ذلك ضرب للعدو، والعدو طبعاً معروف وليس هناك غيره هو النظام السوري! وتارة يختفون خلف العلمانية كما هو في تركيا ولكن سرعان ما تعود حليمة لعادتها القديمة! فالمظاهرات والاحتجاجات في تركيا يقوم بها مندسون وهي مؤامرة خارجية! سبحان الله حين وُزع المال على الناس في كل المحافظات السورية للخروج للمظاهرات وهُجِّر السوريون في أول الأمر عنوة من بيوتهم لم تكن تلك مؤامرة خارجية!!
يمكننا الإجابة عن سؤال: لماذا لَمْ يعد إبليسُ يخرج بنفسه على صورة بشر هذه الأيام؟ والجواب بسيط جداً ومعروف: لأنه قد أصبح بيننا نحن البشر من هو ألعن من إبليس! فلماذا يُتعِبُ إبليسُ نفسَهُ؟! نحن العرب نضرب اليوم أروع الأمثلة في التخبط وخلط الأمور ببعضها، ليس لدينا خطٌ سياسيٌّ واضحٌ له أهداف تصبُّ ولو على الأقل في مصالحنا الشخصية، بل نخرب بيوتنا بأيدينا، في القرن الماضي كنا نذهب لنقاتل في سبيل الله في أفغانستان ضد الاحتلال السوفياتي ومع أنَّ ذهابَنا للقتال هناك كان خطأً ولكن كنا آنذاك واضحين في هدفنا، أما اليوم فصرنا نَقتل ولا نعرف لم نَقتل، ولا المقتول عَلِمَ فيما قُتل!! ولدينا علماء دين ساكتون على ذلك وكَمٌّ آخر من العلماء أصبحوا محرضين على القتل! أُناس يفجرون أنفسهم في العراق يومياً في ساحة أو سوق مليء بالأبرياء والآمنين! والأمر يتكرر في سورية وكيف لا يقوم هؤلاء بذلك وقد أجاز لهم العلماء هذا الأمر تحت مسمى الجهاد، وبذرعة تغيير الأنظمة!
نحن خلطنا كلَّ شيء بكلِّ شيء، لاحظوا نمط تفكيرنا حتى عندما نأكل، يقول لنا أهل الذوق في الطعام: هذه بطاطا مقلية، وهذا باذنجان مقلي وهذه فلافل؛ يعني ساندويش البطاطا له طعم مميز وحدهُ مع ملح أو كاتشب، والباذنجان المقلي له مذاق آخر ربما مع البقدونس وقليل من الثوم، والفلافل لها إطلالة خاصة وراحة جذّابة.. ولكننا نترك كل هذا ونقول: خلّيها.. مشكَّل!!

علي سويدان
Swaidan9@yahoo.com