لم تكن الثورة التي اشعل شرارتها العلمانيون الأتراك في الآونة الأخيرة هي وليدة الساعة، بل سبقها الكثير من المواقف السياسية والمظاهرات الشعبية أيام الزعيم السابق كمال أتاتورك في مواجهة الحكم العثماني الذي امتد تاريخيا حكمه إلى أكثر من ستة قرون، ففي عام 1939م تم هدم ثكنة التقسيم العثمانية التاريخية العظيمة من أجل تحويل موقعها إلى حديقة عامة تحتوي على 14 شجرة زراعية بيد اليساريين، وهي الموقع الذي يحتج اليوم فيه العشرات من جامعة اتاتورك اليساريين اعتراضا على المشروع الحكومي الجديد الذي سيقتلع هذه الاشجار عن بكرة ابيها لكي يعيد هذه الثكنة التاريخية إلى امجادها أيام العهد العثماني مرة ثانية، فرئيس الوزراء التركي رجب اردوغان اصر بكل شجاعة واقتدار على قراره واستمرار مشروع تطوير ميدان تقسيم في اسطنبول قائلا: بأنه سيعيد بناء القلعة العثمانية هناك التي هدمها الزعيم السابق مصطفى كمال اتاتورك وسيحيي التاريخ العثماني العظيم، بل سيفتح المساجد ويرفع الاذان رغم انف المعارضين، ولن تباع الخمور في الأماكن العامة الا بتنظيم القانون، متحديا الجميع على انهم اغلبية ساحقة في البرلمان ولن توقفهم هذه الاحتجاجات من المعارضين، فإن ارادوا الامر بحركة جماهيرية وشعبية فهم جاهزون وبامكانه ان يجمع الالاف من انصاره ان كان هذا تحديا!!
نعم لم يكن مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الدولة التركية والملقب «بأبو العلمانيين» صاحب تاريخ مجيد عند المسلمين ولكن احبه العلمانيون في تركيا بسبب طغيانه على الدين الاسلامي وكرهه للمسلمين فهو ساهم في هدم الخلافة الاسلامية انذاك، ومن تصرفاته الوقحة منع الآذان في مساجد تركيا، ومنع الحجاب للمرأة، والغاء الاحتفال بعيد الفطر وعيدالاضحى، وجعل يوم الاحد اجازة اسبوعية ليكون بديلا ليوم الجمعة، كما الغى الحروف العربية من قاموس اللغة التركية، وشطب اسمه الاول الملقب بـ مصطفى ليكون كمال اتاتورك فقط، وأخيرا ختم حياته عام 1938 بوصية غريبة وهي الا يصلي عليه احد عند الممات!!
والسؤال هنا: هل كل هذه التصرفات تليق بشخص زعيم أسس الجمهورية التركية؟! يعتبر الزعيم اتاتورك هو الرمز القومي الكاريزمي في القرن العشرين، وأحد عظماء القادة في التاريخ بعد سلسلة عريقة من الانتصارات المؤثرة ضد كافة الاعداء منذ عام 1915 إلى عام 1919 إلى ان جاء الاستقلال التام لتركيا ليضع حدا للسلالة الحاكمة العثمانية القديمة التي امتدت منذ قرون من الزمن، ثم إلى خلق الجمهورية التركية تحت ارادة شعبية عام 1923م، صحيح ان الزعيم اتاتورك عاش فترة طويلة في حكمه حقق من خلالها نقله نوعية واسعة في الحياة السياسية والاجتماعية والتشريعية والاقتصادية والثقافية ولكنه في الوقت نفسه ساهم في هدم الخلافة الاسلامية من خلال انهاء حكم السلالة العثمانية إلى الابد، اي بعبارة اخرى انه صانع سلام وداعم لمبادئ الانسانية ولكنه عنصر هدم للتاريخ الاسلامي المجيد.
لقد جاء من سيحيي التاريخ العثماني العظيم من جديد بعد ان دارت الازمان، فمشروع تطوير المنتزه لاقامة مركز تجاري وثكنه عسكرية من العصر العثماني جاءت من رجال شجاع امثال اردوغان ومازال المشروع قيد التنفيذ رغم أنف الحاقدين، فقرار ازالة منتزه ساحة تقسيم لا رجعة فيه لاننا امام حكومة صلبة لايهمها الشعارات المناهضة لها وجموع الاحتجاجات والهتافات الثورية التي تطالب بالاستقالة وتوصفه بالديكتاتور لانه يسعـى الى اسلمة المجتمع التركي. ان مثيري الشغب من المعارضين يستحقون القوة المفرطة من الحكومة لانهم يريدون الحاق الضرر بممتلكات الشعب والحكومة عن طريق حرق المحلات ومؤسسات الدولة والاماكن المحيطة بحديقة جيزي حتى تنقلب تركيا إلى محرقة!
وحتى لا تصبح الامور تعسفية، ونزولا عند رغبة الشعب التركي وعد اردوغان معارضيه بتعليق مشروع اعادة تأهيل حديقة جيزي في انتظار صدور قرار القضاء، حتى لا يقال انه يبادر بايجاب مطالب المعارضين ولا يحترم القضاء، كما طالب المعتصمون بضرورة اخلاء موقع الحديقة طالما ان المشروع لن يستمر قبل صدور القرار القضائي بشأنه.
ويبقى السؤال: لماذا يتدخل البرلمان الأوروبي ويصدر قرارا يحذر فيه الحكومة التركية من اتخاذ اي اجراءات داخلية بحق المتظاهرين، بينما لاتزال الحكومة تحاول الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي دون جدوى؟!
صلابة موقف
من المواقف الشجاعة التي أعجبت بها هي حينما استهزأ رئيس المعارضة العلمانية «دينز بايكال» برئيس الحكومة رجب أردوغانم قائلا بأنه لا يستحق لقب زبال... فرد عليه: يشرفني أن أعمل زبالا لوطني، لأننا نحن منذ 10 سنوات ننظف تركيا من وساختكم ولم ننته منها لغاية اليوم!!
نعم انه موقف شجاع يستحق التصفيق!!

علي محمد الفيروز
alfairouzkwt-alrai@hotmail.com