المأزق السياسي الذي يعيشه العرب اليوم إنما هو نتيجة حتمية لحالة من التلاشي وصل إليها الخطاب السياسي إلى نقطة يصعب معها إقناع الشارع العربي بمكونات هذا الخطاب، وفي خضم الانفلات في المواقف تظهر لنا صورة من البراغماتية الأميركية يعكسها السلوك العربي في ظل رفضٍ شعبي عربي لما نسميه براعة سياسية وفي حقيقته إنما هو سلوك دخيل على ثقافة العرب، يعني حين تتراجع أميركا في سياساتها تجاه قضية ما فإن هذا التراجع في منظور الشارع العربي مقبول من الأميركي، وفي السياق نفسه حين يكون التراجع في الموقف السياسي صادراً عن الساسة العرب لا يمكن للشارع العربي أن يَعُدَّهُ تمكُّناً في الموقف أو نجاحاً سياسياً، لكننا في مسلسل علاقاتنا مع الغرب وروسيا وأميركا نلحظ انفراداً سافراً في السياسة الأميركية لا غبار عليه خلال التسعينات وما بعدها من القرن الماضي، بينما يظهر اليوم التوازن في القوى بلغة التقايض بعيداً عن أيام الحرب الباردة وقريباً جداً من النزاع المرتكز بشكل عميق وكبير على الاقتصاد والمال، ومع أن للاقتصاد ودورته المالية الأثر الدائم في مسار العلاقات الدولية غير أننا اليوم أمام مفصل جديد كانت سورية وأزمتها العنق الذي نخرج منه إلى عالم جديد لا تنفرد فيه أميركا، ونحن نتحدث الآن في السياسة التي تستند إلى المصالح ولغة القوة في المعلومات والاقتصاد والسلاح، بعيداً للأسف عن الأخلاق وحفظ الدم والمال ولكن هذه هي السياسة النزاع فيها للأقوياء والشعوب للأسف تدفع الثمن.
لكننا انسقنا نحن العرب كثيراً مع أميركا في السنوات السابقة ولو أننا أخذنا من سُمرة الصحراء وشمسها الحارقة لوناً عربياً، ولو أننا تظلَّلْنا تحت النخيل وأكلنا من تمورها، لكننا لو أجرينا فحصاً للدم سنجد أميركا وثقافتها وما امتنَّتْ به علينا كلُّ ذلك يجري في عروقنا، أما الجامعة العربية التي مضت بعيدا في تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، عادت في الأيام القليلة الماضية لتصرّح: (نحن لم نُعطِ مقعد سورية للمعارضة، بل وُعِدَتْ المعارضةُ به إذا شكَّلت حكومةً على الأرض ولم يتم ذلك... وبعدين سورية عضو مؤسس للجامعة العربية...)... معقول... سورية عضو مؤسس للجامعة العربية؟! يعني على رأي سرحان عبدالبصير في مسرحية شاهد ما شفش حاجه: (عِنياتْ أبوسِنَّة فوق ما كانِتْ بتشتَغلْ رقّاصة... هِيَّ الحقيقة كانت... بِتُرقُص) صراحة: مُتشكِّرين على الإضافة الجميلة يا سرحان.

علي سويدان
Swaidan9@yahoo.com