في الوقت الذي يشيد العالم بنظامنا السياسي في المنطقة وبأننا أكثر قسوة على الحكومة من غيرنا في المنطقة، خصوصاً في مواصلة المساءلة التشريعية لأي خطأ يحدث، يستغرب العالم أيضاً من ضعف سلوكياتنا الديموقراطية، وتخلفنا في تطبيق الممارسة الحقيقية للديموقراطية. فالسلطة التشريعية تسأل الحكومة عن رواتب العاملين، وترقياتهم، وضعف الخدمات العامة، والتجنيس، والتخلف الإداري وغيرها، لكنها لا تفرق بين طبيعة المساءلة وأولوياتها وعلاقتها بدرجة المشكلة وتأثيراتها على الدولة.
«الداوكيميكال» مثال للإهمال النيابي وتقاعس عن دوره التشريعي تجاه كارثة تفوق في طبيعتها ومداها أي مشكلة أخرى لأنها تعكس جملة من المؤشرات الغاية في السوء والانحدار في مجتمع يتباهى بأنه دولة المؤسسات والقانون، فالداو كارثة حقيقية لا تعبر فقط عن الهدر المالي، وإنما أيضاً تقدم دلالات واضحة عن سوء وفساد الإدارة، والارتباك في الاختصاصات وحدود المسؤوليات، وعدم صلاحية طرق العمل، وغياب المساءلة الواجبة وغيرها.
لا شك أن كارثة الداو أضرت بسمعة الكويت بخسرانها (2.2) مليار دولار ليس بسبب مساهمتها في مشروع أو شركة مساهمة أو إجراء عمليات تجارية أو هبوط لسعر النفط أو غير ذلك، وإنما لخطأ فادح مقصود أو غير مقصود أدى ببساطة ومن دون عناء أن يستفيد الطرف الآخر بحصوله على مبلغ غرامة يعد الأكبر في التاريخ بسبب فسخ العقد بين الحكومة والشركة من دون إدراك لتداعيات هذا الفسخ أو ربما تعمد في إلغاء العقد لأسباب أخرى علمها عند الله.!!
وبافتراض تجاوز الخطأ الفادح في إلغاء العقد والموافقة عليه، كيف يتم دفع هذه الغرامة المالية الضخمة من دون التفاوض والدفاع المستميت باستخدام الأدوات القانونية المختلفة؟ ولماذا لم يتحرك المجلس النيابي رغم علمه بالكارثة من أجل المحاسبة على الأقل؟ لقد صرح البعض من أعضاء المجلس في الآونة الأخيرة بأنهم سيلجؤون للمساءلة، وأن خسارة الدولة لهذا المبلغ الضخم لا ينبغي أن يمر في وقت لا يختلف أحد على تهاوننا وإهمالنا لحماية المال العام.
لقد خسرنا وربحت شركة الداوكيميكال، ومن حق رئيسها أندرو ليفريز أن يعبر عن سعادته البالغة وهو يؤكد في اجتماع الجمعية العمومية للشركة بأنه حصل على المبلغ الخيالي الذي بسببه تعافت شركته وتجاوزت خسائرها، وهذا التعويض في نظره يحفز على المزيد من النجاح في المستقبل.
إننا وبعد خسارتنا في شركة البتروكيماويات الكويتية لم يعد بالإمكان استرجاع المال الذي ذهب مع الريح، لكن لابد من إعادة تقييم الأوضاع في الشركة من الوجوه كافة، والتدخل العاجل للمجلس النيابي لمعالجة الواقع في جوانبه الإدارية والقانونية والمالية، وكذلك في المطالبة بإحالة الأطراف المسؤولة إلى القضاء، والإعلان عن النتائج أمام الناس بصدور الأحكام القضائية.
فمن حق الناس أن تعرف لماذا حدث ما حدث؟ ومن هي الأطراف المسؤولة؟ وهل في غرامة الداو عوامل ذات ارتباط بالذمة والأمانة والتكسب؟ إن هذه الخسارة الجسيمة هي نتيجة لسوء الإدارة الحكومية، وضعف لهيبة الدولة، ومخالفة لقانون حماية المال العام.. لذلك نأمل فتح تحقيق قانوني وفني وإداري لكل من شارك أو ساهم في مشروع الشراكة مع الداو. فالسكوت عن الكارثة جريمة...

د.يعقوب أحمد الشراح
yaqub44@hotmail.com