حينما يقرر البنك الدولي حظر ارتفاع أسعار الغذاء في العالم، وينذر بتجويع 100 مليون نسمة بما يهدد بالتراجع عن التقدم الذي حققه الازدهار، فإن ذلك مؤشر جديد لدينا يفيد اننا مقبلون على مواجهة عصر من التحديات والصعوبات وسط حياة يعيش فيها نحو مليار نسمة تقريبا، وقد يمس ذلك بل ويهوي بدول منخفضة الدخل الى اعماق الفقر والتشرد، ما يزيد بالتالي من معدلات الفقر في العالم على المدى البعيد وذلك تحت غياب بدائل أو وجود مساعدات اجتماعية ومالية، لذا ينصح مسؤولو البنك الدولي الدول المتضررة من هذا الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية استخدام منتجات زراعية وأغذية تكون مزروعة محليا، مع منعها من التداول خارج البلدان حتى تكتفي ذاتيا، فالدراسات والبحوث التي قدمها البنك الدولي للعالم، والتي تفيد بمواجهة الملايين من البشر للفقر الشديد بسبب الغلاء، جرس انذار مستقبلي يحذر من وقوع كارثة بشرية، فماذا إذاً سيفعل هؤلاء البشر البسطاء في مواجهة موجة الارتفاع وفي ظل تزايد اعداد السكان سنويا؟ان ظاهرة ارتفاع أسعار الغذاء تفرخها عوامل عدة منها كثرة الطلب على المواد الغذائية بأنواعها من الدول المصدرة وخصوصا دول آسيا منها، والتي تشهد تغيرات وتطورات سريعة. منافسة البلدان الغنية على طرح انواع متعددة من الوقود الحيوي بأسعار مرتفعة جدا. حالة عدم الاستقرار للمناخ والذي صاحبه المتغيرات الجوية السيئة والذي اثر سلبا على الامتدادات الزراعية في العالم أجمع، فتأثير الجفاف مثلا قد طال معظم المناطق الزراعية وسبب لها أضرارا كبيرة وهي في العادة تعتبر من المناطق المنتجة دوليا مثل استراليا التي واجهت أسوأ موجة جفاف في تاريخها، لذا ليس غريبا ان نشاهد تلك الدول المتضررة من هذا الارتفاع تحتج على الأوضاع وتتظاهر عن طريق نزول الجماهير الى الشوارع للتعبير عن غضبهم من تلك الطفرة المفاجأة والتي أتت من دون سابق انذار، في حين ان بعض الدول تحاول ان تضع حلولا بسيطة لمواجهة هذه الازمة عن طريق زيادة الدعم الحكومي للحاصلات الزراعية وخفض الرسوم الجمركية في جميع انحاء العالم، وحفز انتاج الغذاء من خلال تفعيل دور «منظمة التجارة العالمية» حتى يتم تحقيق الاستقرار لأسواق الغذاء العالمية، وقد دعا رئيس البنك الدولي «روبرت زوليك» العالم الى مواجهة «العهد الجديد للغذاء» بطرق سليمة حتى يتم التغلب على الصعوبات والعراقيل التي تواجه ثورة السلع الأولية، فجميعنا قد لاحظ ارتفاع اسعار الاغذية العالمية بنسبة 80 في المئة منذ الاعوام الثلاثة الماضية، ولكن يبقى السؤال: هل راعت الدول المصدرة للغذاء احوال الفقراء والمساكين في العالم؟ يتنبأ خبراء اقتصاديون من أن هناك زيادة طفيفة ستطرأ على معظم المنتجات الاساسية كالارز والقمح والسكر وبذور الزيت والصويا والحليب وذلك في جميع دول العالم. فماذا إذاً حضرّت الدول النامية لفئات شعوبها؟ للتخفيف من أزمة الأسعار ولتفادي وقوع أي أزمة مستقبلية للغذاء، يجب على الدول النامية دعم الامدادات الزراعية أولا، ثم البحث عن البدائل وتطويرها عن طريق خبراء الزراعة والصناعة، وانفاق المزيد من الاستثمارات الفنية على المياه والري بدلا من البحث عن حلول مسكنة أو موقتة، تتمثل في المساعدات الغذائية أو الاعانات المالية فقط!، بيد ان التغيرات المناخية المستمرة ستزيد حتما الازمة الحالية تفاقما، في الوقت الذي يتوقع فيه خبراء دوليون ان تعاني شعوب العالم نقصا حادا في المياه ناهيك عن معاناة 600 مليون نسمة من الجوع بسبب موجات الجفاف والفيضانات والزلازل التي هزت بقاع العالم ونتيجة للتدهور الذي لحق بالبيئة في الاعوام الماضية.إذاً العالم كله يتحرك على جميع مستوياته لمواجهة ظاهرة ارتفاع اسعار الغذاء ولايجاد الحلول البديلة بأسرع وقت وهذا على الرغم من المتغيرات المناخية ومتغيرات السوق التي لاتقف عند حد معين، ولكن السؤال: هل استفدنا من تجارب التاريخ؟ وهل تجارب التاريخ في تقييد أسعار المواد الغذائية للشعوب ستكشف أخطاءنا من جديد؟عندما تولى رئيس البيرو السيد آلان غارسيا منصبه عام 85، أمر بالعمل على تقييد أسعار السلع الغذائية الأساسية، في ذلك محاولة لابقاء المواد الغذائية في متناول الجميع، ولكن مع تناقص مواد الغذاء وظهور ما يسمى بالسوق السوداء، اضطر المواطنون بالوقوف طوابير لساعات طويلة للحصول عليها، وبعد مرور خمسة أعوام تحديدا على هذه الحال، انهارت رئاسة غارسيا!أما آخر المواقف المؤلمة واللافتة للنظر والتي نتجت عن ازمة ارتفاع أسعار الغذاء في العالم ان الرئيس البرازيلي لويس اناسيو داسيلفا حضر الجلسة الافتتاحية للـ «المؤتمر الثلاثين لاميركا اللاتينية والكاريبي» الخاص بـ «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، وقال للحضور: «الغذاء باهظ الثمن... والعالم ليس مستعداً لرؤية الملايين من الصينيين والهنود والبرازيليين، والملايين من سكان أميركا اللاتينية يأكلون ويتناولون الطعام ثلاث مرات في اليوم»!... ترى هل هو محق فيما قاله؟وفي السياق نفسه، وفي ظل استمرار الكويت في الاعتماد على استيراد السلع الغذائية الأساسية من الخارج، طالب مرشح الدائرة الانتخابية الثالثة عضو المجلس البلدي المهندس عبدالعزيز الشايجي ببذل الجهود الكفيلة بتحقيق الامن الغذائي عبر دعم الانتاج المحلي لمواجهة ارتفاع الأسعار الذي طال السلع الغذائية بشتى أنواعها، وأكد على ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي في البلاد بعد ان اصبح ذلك حاجة ملحة في الوقت الراهن في ظل التضخم الذي طال معظم الاسواق العالمية، لذلك نشد على يد الاخ الشايجي في مطالبته الدولة الى خلق فرص استثمارية في القطاعات الغذائية العالمية سواء القطاعات المعنية في انتاج السلع الغذائية أو المعنية بتداولها وتجارتها، وان يكون هذا على مجال واسع لتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يجنب البلد بالوقوع في أزمات ناتجة من نقص السلع في ظل زيادة الطلب عليها، وان كانت الدولة غير قادرة على ضبط الأسعار. «ولكل حادث حديث».

علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي كويتيalfairouz61_alrai@yahoo.com