| سعاد العنزي* |
فن القصة القصيرة هو فن الومضات الإنسانية القصيرة والمعبرة، ومضات تعيد تشكيل وعينا وتصورنا للأشياء من حولنا، تتطلب عمقا** فكريا أحيانا، كما تحتاج إلى عدسة قريبة من أحداث المجتمع الطارئة والمتحولة، وعاداته الراسخة، وممارساته الفاضحة لأنماط المجتمع وطريقة تفكيره، بالإضافة إلى رصد قضاياه الشائكة التي لا تغطي جيدا في الأعمال الأدبية لتبريرات واهية لا تمت إلى واقع الإبداع بصفة، من مثل الغاء صفة الأمكنة المحلية، والإشارات الزمانية، وظروف المجتمع والذهاب إلى قضايا فلسفية قد لا يكونون ضليعين بها، أو متمكنين منها، فيفسدون النص بين التجريب الفاشل، والبعد عن قضايا المجتمع والأفراد الخارجين من هذه البيئة الزمانية والمكانية، ناهيك عن ممارسات لغوية تبتعد عن جمال الأسلوب وإيصال الرسالة الإبداعية، فتكون اللغة متكلفة وغامضة، وتسبب فجوة في فهم عوالم النص، ومرامي الأديب. وأنا لا أقول هنا بأن نلغي عالم التجريب من رحلة الكتابة الإبداعية، ولكن أنادي بالانطلاق من الممكن والطاقة المتاحة لهذا الأديب أو ذاك، والالتفات إلى ماهو إنساني، وإلى ما يضيف شيئا حقيقيا للإنسان المعاصر... مع أهمية الفكر التجريبي في تبني تفسيرات محتملة للعالم، ورؤى جديدة ومغايرة قد تضفي شيئا على فهمنا لواقعنا المعاصر.
المتن القصصي
قراءة اليوم أقدمها عن مبدع كويتي شاب، جاوز بكتابته الإبداعية ما تم سرده في بداية المقالة ما قد يكون مأخذا على العمل السردي، وذهب إلى عدة من المناطق الممكنة التي ارتأى له أن يقدم مجموعته القصصية الأولى: «كشمير»... ليكون أكثر قربا من نبض المواطن العادي المتشابه في آماله وطموحاته والمختلف في طريقة الإلمام بها والاقتراب من مداراتها، بتقنيات سردية قريبة من التمكن والإجادة بشكل جيد لمحاولات أولية في عالم الكتابة. المجموعة بشكل عام تحتوي على ست عشرة قصة، تختلف في حكايات أشخاصها المتفتحة على عوالم إنسانية متغايرة في فضاء كويتي واحد يعود لماضي الكويت، وتلتقط صورا لحياة الكويتي مع الآخر الغربي والشرقي، بزمن معاصر ما عدا عدد قليل من القصص يعود إلى الماضي مسترجعا بداية خيوط الحكاية، باستثناء قصة « كشمير» المنطلقة من حكاية عشق في زمن ماض، وتتشابه المجموعة في أمور عدة:
1 - إن غالبية الشخصيات تنتمي لجيل الشباب في بداية الاقبال على الحياة العلمية والأسرية، ما يشير إلى إعطاء صوت في هذه المجموعة الإبداعية لهذا الشباب المتحرك والفاعل في المجتمع من دون أن يكون هناك أدب إبداعي راصد لهذه التحولات الإنسانية في هذه المرحلة، مزامن لها بشكل مباشر، وناقل لها نقلا حيويا خلاقا، مضيئا الجوانب المشرقة والمظلمة في حياة هذا الجيل من الشباب.
2 - كون القصص بنيت حكائيا على شخصيات شبابية، فإن الحب كان عنصرا حكائيا حاضرا بقوة في المجموعة فلا تخلو قصة من المجموعة من قصة حب، ولعل أروعها هي قصة « كشمير» حيث عذوبة الحب بقيمه الإيجابية تنتصر على الرغم من صعوبة تحقق حلم الاقتران بها لعدة اعتبارات اجتماعية وأسرية وعرقية، إلا انه بالنهاية استجاب لطبيعته الإنسانية ناسفا كل الحواجز التي تعيق التواصل بين قلبين اعتنقا المحبة بكل جوانبها المشرقة والمضيئة في الحياة، ولم يخذل فتاته على الرغم من مشقة الوفاء لها، تقابل قصته قصصاً معاصرة لشباب وقتنا الحالي، تمضي بهم الحياة من دون فتيات قضوا معهم قصصاً عاطفية عابرة وانتهت فعليا ما عدا شريط الذكريات مصادفا إياهم بطريق ما في هذه الحياة بلحظات عابرة. بالنسبة لي تواتر فشل قصص الحب في الزمن المعاصر، مشارا إليه بالقصص يدل على أمر مهم يحمل بين ثناياه تفسيرين: أ. إيجابي هو: إن الزمن المعاصر له اخلاقيات وممارسات اجتماعية تختلف عن الماضي، وما كشمير هنا إلا فضاء سردي راصد لتناقضات الأزمنة وتحولاتها في ذات المكان والمجتمع، فالحب في الماضي قرين بفكرة الاقتران، بينما الآن يخضع في أصدق قصصه للظروف وتحمس الطرفين في الفكرة، والعيش في زمن حب وقتي عابر لا يبقى، ولا يستمر من خلال حكاية « مساءات لندن»: ب. سلبي: وهو تغير أخلاقيات المجتمع، فبات الحب قضية عابرة وليست مستقرة في الذهنية الكويتية.
3 - الأمر الثالث الوارد بكثرة هو فكرة الموت متربصا بالشخصيات في القصص التالية، ومسبباته كثيرة وظروف حدوثه فجائعية كحوادث الطرق، أو عبر ارتكاب جريمة، قد يكون سببه رؤية المؤلف الخاصة للعمل الإبداعي مثلما هي الحياة تحضر فيها مظاهر الحياة والموت معا على طبق لغوي واحد، ناهلا في هذه النصوص من شهد الحياة ومرها، ومقدما نصوصا متقاسمة أقدار شخصوصها على قدر متساو. إلا ان تكرار قصص الموت يعكس ملمحاً مهم قد تكون له علاقة بحياة ورؤية الكاتب للموت، فإما يكون تعرض لقصص فقد كثيرة، أو إنه رأى الموت بدأ يسيطر على الحياة بشكل فجائعي.
4 - الثيمة الرابعة المشتركة هو إلتفات الكاتب إلى الحالات الإنسانية المرضية أو المعزولة عن المجتمع، أو المحرومة من أحد والديها: مثل التفاته لحالة العرج بسبب حادث أيضا في نص «مابين سماء وأرض»، وحالة العمى في قصة «عيون نوره» التي قدمت صراعا دراميا بين فكرة النور والعتمة، فما إن أبصرت نوره حتى رفضت النور ومتعلقاته كافة، حتى حبيبها وزوجها خالد، فتم الطلاق بسبب تمكنها من رؤيته ورفضه من دون سبب مقنع، والتهميش الاجتماعي كما في حال الأب ساردا قصته وهو متخلى عنه من قبل ابنته الوحيدة في «إلى/ فراشة»، هذه النظرة الإنسانية من المؤلف تحسب له كصاحب قلم ينبض بنبض المجتمع، لا ينعزل عن آلامهم الأساسية ولا حتى الهامشية، وهو ما مكنه من الالتفات الى الطبيعي وغير الطبيعي من حياة شخوص قصصه.
* كاتبة وناقدة كويتية
@su_ad81
- مشاري محمد العبيد، «كشمير» مجموعة قصصية، نوفا بلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2012.
فن القصة القصيرة هو فن الومضات الإنسانية القصيرة والمعبرة، ومضات تعيد تشكيل وعينا وتصورنا للأشياء من حولنا، تتطلب عمقا** فكريا أحيانا، كما تحتاج إلى عدسة قريبة من أحداث المجتمع الطارئة والمتحولة، وعاداته الراسخة، وممارساته الفاضحة لأنماط المجتمع وطريقة تفكيره، بالإضافة إلى رصد قضاياه الشائكة التي لا تغطي جيدا في الأعمال الأدبية لتبريرات واهية لا تمت إلى واقع الإبداع بصفة، من مثل الغاء صفة الأمكنة المحلية، والإشارات الزمانية، وظروف المجتمع والذهاب إلى قضايا فلسفية قد لا يكونون ضليعين بها، أو متمكنين منها، فيفسدون النص بين التجريب الفاشل، والبعد عن قضايا المجتمع والأفراد الخارجين من هذه البيئة الزمانية والمكانية، ناهيك عن ممارسات لغوية تبتعد عن جمال الأسلوب وإيصال الرسالة الإبداعية، فتكون اللغة متكلفة وغامضة، وتسبب فجوة في فهم عوالم النص، ومرامي الأديب. وأنا لا أقول هنا بأن نلغي عالم التجريب من رحلة الكتابة الإبداعية، ولكن أنادي بالانطلاق من الممكن والطاقة المتاحة لهذا الأديب أو ذاك، والالتفات إلى ماهو إنساني، وإلى ما يضيف شيئا حقيقيا للإنسان المعاصر... مع أهمية الفكر التجريبي في تبني تفسيرات محتملة للعالم، ورؤى جديدة ومغايرة قد تضفي شيئا على فهمنا لواقعنا المعاصر.
المتن القصصي
قراءة اليوم أقدمها عن مبدع كويتي شاب، جاوز بكتابته الإبداعية ما تم سرده في بداية المقالة ما قد يكون مأخذا على العمل السردي، وذهب إلى عدة من المناطق الممكنة التي ارتأى له أن يقدم مجموعته القصصية الأولى: «كشمير»... ليكون أكثر قربا من نبض المواطن العادي المتشابه في آماله وطموحاته والمختلف في طريقة الإلمام بها والاقتراب من مداراتها، بتقنيات سردية قريبة من التمكن والإجادة بشكل جيد لمحاولات أولية في عالم الكتابة. المجموعة بشكل عام تحتوي على ست عشرة قصة، تختلف في حكايات أشخاصها المتفتحة على عوالم إنسانية متغايرة في فضاء كويتي واحد يعود لماضي الكويت، وتلتقط صورا لحياة الكويتي مع الآخر الغربي والشرقي، بزمن معاصر ما عدا عدد قليل من القصص يعود إلى الماضي مسترجعا بداية خيوط الحكاية، باستثناء قصة « كشمير» المنطلقة من حكاية عشق في زمن ماض، وتتشابه المجموعة في أمور عدة:
1 - إن غالبية الشخصيات تنتمي لجيل الشباب في بداية الاقبال على الحياة العلمية والأسرية، ما يشير إلى إعطاء صوت في هذه المجموعة الإبداعية لهذا الشباب المتحرك والفاعل في المجتمع من دون أن يكون هناك أدب إبداعي راصد لهذه التحولات الإنسانية في هذه المرحلة، مزامن لها بشكل مباشر، وناقل لها نقلا حيويا خلاقا، مضيئا الجوانب المشرقة والمظلمة في حياة هذا الجيل من الشباب.
2 - كون القصص بنيت حكائيا على شخصيات شبابية، فإن الحب كان عنصرا حكائيا حاضرا بقوة في المجموعة فلا تخلو قصة من المجموعة من قصة حب، ولعل أروعها هي قصة « كشمير» حيث عذوبة الحب بقيمه الإيجابية تنتصر على الرغم من صعوبة تحقق حلم الاقتران بها لعدة اعتبارات اجتماعية وأسرية وعرقية، إلا انه بالنهاية استجاب لطبيعته الإنسانية ناسفا كل الحواجز التي تعيق التواصل بين قلبين اعتنقا المحبة بكل جوانبها المشرقة والمضيئة في الحياة، ولم يخذل فتاته على الرغم من مشقة الوفاء لها، تقابل قصته قصصاً معاصرة لشباب وقتنا الحالي، تمضي بهم الحياة من دون فتيات قضوا معهم قصصاً عاطفية عابرة وانتهت فعليا ما عدا شريط الذكريات مصادفا إياهم بطريق ما في هذه الحياة بلحظات عابرة. بالنسبة لي تواتر فشل قصص الحب في الزمن المعاصر، مشارا إليه بالقصص يدل على أمر مهم يحمل بين ثناياه تفسيرين: أ. إيجابي هو: إن الزمن المعاصر له اخلاقيات وممارسات اجتماعية تختلف عن الماضي، وما كشمير هنا إلا فضاء سردي راصد لتناقضات الأزمنة وتحولاتها في ذات المكان والمجتمع، فالحب في الماضي قرين بفكرة الاقتران، بينما الآن يخضع في أصدق قصصه للظروف وتحمس الطرفين في الفكرة، والعيش في زمن حب وقتي عابر لا يبقى، ولا يستمر من خلال حكاية « مساءات لندن»: ب. سلبي: وهو تغير أخلاقيات المجتمع، فبات الحب قضية عابرة وليست مستقرة في الذهنية الكويتية.
3 - الأمر الثالث الوارد بكثرة هو فكرة الموت متربصا بالشخصيات في القصص التالية، ومسبباته كثيرة وظروف حدوثه فجائعية كحوادث الطرق، أو عبر ارتكاب جريمة، قد يكون سببه رؤية المؤلف الخاصة للعمل الإبداعي مثلما هي الحياة تحضر فيها مظاهر الحياة والموت معا على طبق لغوي واحد، ناهلا في هذه النصوص من شهد الحياة ومرها، ومقدما نصوصا متقاسمة أقدار شخصوصها على قدر متساو. إلا ان تكرار قصص الموت يعكس ملمحاً مهم قد تكون له علاقة بحياة ورؤية الكاتب للموت، فإما يكون تعرض لقصص فقد كثيرة، أو إنه رأى الموت بدأ يسيطر على الحياة بشكل فجائعي.
4 - الثيمة الرابعة المشتركة هو إلتفات الكاتب إلى الحالات الإنسانية المرضية أو المعزولة عن المجتمع، أو المحرومة من أحد والديها: مثل التفاته لحالة العرج بسبب حادث أيضا في نص «مابين سماء وأرض»، وحالة العمى في قصة «عيون نوره» التي قدمت صراعا دراميا بين فكرة النور والعتمة، فما إن أبصرت نوره حتى رفضت النور ومتعلقاته كافة، حتى حبيبها وزوجها خالد، فتم الطلاق بسبب تمكنها من رؤيته ورفضه من دون سبب مقنع، والتهميش الاجتماعي كما في حال الأب ساردا قصته وهو متخلى عنه من قبل ابنته الوحيدة في «إلى/ فراشة»، هذه النظرة الإنسانية من المؤلف تحسب له كصاحب قلم ينبض بنبض المجتمع، لا ينعزل عن آلامهم الأساسية ولا حتى الهامشية، وهو ما مكنه من الالتفات الى الطبيعي وغير الطبيعي من حياة شخوص قصصه.
* كاتبة وناقدة كويتية
@su_ad81
- مشاري محمد العبيد، «كشمير» مجموعة قصصية، نوفا بلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2012.