| بقلم: حسين الراوي |
أهلاً بكم. لا أخفيكم سراً بأنني مسرور لعودتي من جديد بعد مدة توقفت فيها عن الكِتابة المختصة في الأدب الشعبي، بعد أن كتبت العديد من القراءات والنقد والمقالات التي تم نشرها في صحف ومجلات مختلفة في دول الخليج، وها أنا أعود لكم** اليوم وفي يدي مادة جديدة دفعتني لأن أقطع فصل الغياب الذي امتد طويلاً بيني وبينكم، متمنياً لكم قراءة مفيدة وممتعة.
الشاعرة (أزل) لفتت انتباهي عندما أمعنت النظر في أبياتها، فأخذت بهدوء وصمت أبحث عما كتبته هي من أبيات، فوجدت أنه لا يوجد لها أماكن متعددة تبث فيه أبياتها غير مدائن تويتر، وهذا أعطاني دلالة حقيقية أن هذه الشاعرة لا تبحث عن الهالة الإعلامية ولا تهتم بالقرب من سماسرة المجلات والصفحات الشعبية، وأن مزاجها سعيد جداً بما تكتبه بعيداً عن صخب شِلل ساحة الشِعر وزحام النشر والإعجاب الباهت والتصفيق الإعلامي الغير حقيقي. أحب أن أكتب عن الشاعر والشاعرة الذين يستحقون بصدق أن يُكتب عنهم، أشعر حينها أني قدمت شيئاً من رد الجميل لهم، مقابل ما يمنحونه لنا من جمال. كتبت ولي السرور بسبب ذلك، عن عدد من الشعراء والشاعرات لم يكونوا قبل كتابتي عنهم معروفين بشكل كبير، فكنت بفضل صدق شاعريتهم مساهماً في شهرتهم إعلامياً، وهذا ليس الهدف الأول والأسمى لديّ، بقدر ما كنت أسعى لأن أقول لأحباب الشِعر: «هنا شاعرية جميلة انتبهوا لها». ضيفة هذه السطور هي الشاعرة (أزل) سوسنة الشِعر الشعبي. التي تمتاز أبياتها بسهولة التركيب وسلاسة المفردة وعمق المعنى. وهي تهتم بالفكرة أكثر مما تهتم بطول أبيات القصيدة، لأني وجدتها من النوع الذي يكتفي بترجمة الفكرة التي أشغلتها ذهنياً وروحياً بأبيات على قدر حجمها وقياسها بالضبط، دون الالتفات لطول الأبيات أو محاولة مـد الفكرة أكثر مما كانت عليه. وتمتاز سوسنة الشِعر بأنها ذات أبيات مؤلمة عندما تحاكي ذاتها وتحاورها في أمر ما، وهذه السِمة شعرت بها مراراً في العديد من أبياتها، ولعل هذا الأمر هو الذي صنع منها شاعرة، خرجت لوحدها، وبرزت بروزاً يسيراً لوحدها، وكتبت وتقدمت لخوض تجربة النشر في ذلك المكان لوحدها دون أن يكون لأي أحد مشورة عليها في ذلك، وهذا يجعلني أستشعر بأن كل هذا لم يأتي إلا بدافع الثقة الجميلة التي تتمتع بها (أزل) في داخلها. مع مرور الوقت واستمرار هذا الشاعرة أظن بأن تجربتها ستكون أجمل وأوسع مما هي عليه الآن لأنها ذات شاعرية حقيقية لم يصنعها الإعلام ولا قروبات الشعر وتصفيق وتطبيل أهل المصالح. والآن تعالوا نقترب أكثر من الشاعرة أزل سوسنة الشِعر الشعبي. هنا أرادت أن تقول أزل: «أنا لازلت طفلة في أحاسيسي وأمنياتي، لازلت أحب الحياة. لقد كان القلق والتردد يؤلماني كثيراً، لكني الآن أن أكبر من قلقي وترددي». ولقد جمعت في هذه الأبيات الثلاثة بين طبيعة روحها، والألم الذي كان سابقاً يسكنها، وأمنياتها البريئة، وأنها ستعيش حياتها بشكل جديد مغاير عما كانت عليه.
طيريني  يا المراجيح الصغيرة
لا لـمست الغيم لأرضي رجعيني
صحي فيني بنت ما كانت جديرة
أنفضي «وهن الحياة ومرجحيـني
رجعيني طفل خطواته قصيرة
طيريني... طيرينـي... طيريـني
هناء جمعت أزل بين شفافية الألم وصدق الالتجاء إلى الله، وهي تطلب من الذي يقرأ حرفها بألا يستكثر عليها هذا الجزع الروحي الذي تطرده بالصلاة ودموع الرجاء، وأن معاناتها حقيقية ولو أن القارئ جهل هذا الوجع الذي لازمها لسنوات عدة.
يا خالقي خاطري جازع
النفس مما ترى جزعه
ما هي تهاويل يا سامع
ما هي  تعابير مبتدعه
أركع ودمعي معي راكع
أسجد وتسجد معي دمعه»
لي عمر ثلثينه إمنازَع
ما مسّته ل للرضا نزعه
في هذه الأبيات تحكي أزل عن فِكرها، عن حرفها، عن شِعرها الذي اتخذته الصديق القريب الأوحد لها بعيداً عن الآخرين. حيث أنها تأكدت بتجربتها بأن فَم القصيد هو الأعمق لساناً والأصدق حِساً في إخراج شكواها وفضفضتها وطيشها ورغباتها، على الرغم من أنها تحب أن تستر جانباً من حياتها بعيداً عن الشِعر.
سيرة  عمر بيدين من يحمل الضي
يشْعل  كتاباته مع صحبة النور
قنديل ليله (شي) في داخله حي
نصفه حكى به حرف والنصف مستور
الخوف غطّا القلب عن لعنة الغي
واليا لـمست الذنب ما كنت مجبور
إنك تحسه شي، تتغافله شي
لكن قسم بالله ما خالطه زور
هنا حالة مغايرة تمر بها أزل كأنثى وشاعرة، حيث تصرّح بخذلانها بعتب مدقع بالشفافية والخيبة التي اعترتها. ورغم انكسارها هذا وخذلانها إلا أنها لم تنحنى وتستسلم للألم وتقف مكانها، بل تكيفت مع ذاتها وتأقلمت مع جرحها وقررت أن تترك (كل الحكاية بكل أفرادها) خلف ظهرها لتصنع لها حقبة جديدة.
طقيت بابي خطا ما كنت لي ناوي
ومن قبل حس العذر لا ينطق بـهفـوّة
جيـتك بخطوة طفل ما كان متساوي
رافع يدينه وصل للحضن والدفوة
لما شبك بك صدر كل ضلع به خاوي
هزيت متنك رحيل ونادتك جفوة
والله لأغطي الغلا عن فتنة الغاوي
وآخذ لنفسي ذرى وأرتاح به غفوة
هنا بيت واحد فقط... لكنه بحكاية طويلة وعميقة:
زانت أشياء كنت أسميها سخافة
وشانت أشياء كنت أسميها مبادي
والحروف هنا تُنسج للوطن، الذي تعتليه بعض الأمور التي تعكر صفوّة، في أصل سؤال مشروع من قلب يعشق وطنه:
يـا وطن يا العمر الأجمل يا ربيعي
ليه ملامح عِزنا شابت وشاحت؟!
يـَ وطن كم لك... ووضعك مو طبيعي
ليه عين الـمنتمي لك ما استراحت؟!
وتقول أيضاً للوطن:
عزيزة يا بلادي، لو تهاوت
بـ ركن الظلم في طعن الهوية
عزيزة يا بلادي لو تغاوت
أيادي عهر في سلب القضية
وهنا رحابة الصورة مع حلاوة ألوانها وبراءة السؤال وجميل الطلب:
بزوغ الفجر  ودّع صفحة  البارح
بدا يعكس زراق النور في قلبي
يا وجه الصبح وين بيومنا سارح؟
وأنا مالي سوى رحمتك... يا ربي
هنا رمزت للدنيا بالسماء، ورمزت لأرواح العابرين بالعصافير، ورمزت بالشفق بالنهاية، وأعشاشه المختلفة بـ الموت والغياب والهجر والوداع. وأنها في تلك اللحظات سرحت بعيداً في تلك الوجوه التي غرقت معها بالذكريات، وما شِعرت بذلك الشرود الذهني  الذي داهما خِلسة إلا وهي تصحو من جديد فتنتبه إنها لازلت على أرض الواقع:
يا هالسما غابت عصافير جوّك
ظل الشفق يلّمها في عِششها
حسبت نفسي طير عانق علوّك
وأنا مردي لأرض تحكي عطشها
هذه الأبيات فيها خصوصية شديدة، جمعت بين المزاج واقتراف الفوضوية، واتخاذ الشِعر كـ رئة ثالثة تستخدمها (أزل) عندما تشعر بأن رئتيها الأصليتين لم يعودا يسعفانها للتنفس بشكل يحتوي مشاعرها ولحظتها كما تريد هي كأنثى لديها الكثير من الأسرار والأمنيات وأشياء من (الشيّطنة) البريئة، وأن الليل ووحدتها يستفزانها أحياناً كثيرة للكتابة بسبب نافذة الذاكرة التي يفتحها السهر:
عجز يطرد وساويس انجذابه
يلوذ بخالقه عن  كل مُنكر
تجيب الشيطنة عبثْ الكتابه
تعوّذ حبره المذنب وفكّر
شعوره  شي ما دون الكآبة
كأن الليل ينطق لوه: تِذكّر؟!
أحبابي على الرغم من أن هناك العديد من الأبيات الجميلة التي لم أتطرق لها لذات الشاعرة، هنا تصل بنا القراءة إلا مرساها الأخير مع الشاعرة (أزل)، متمنياً أنني كنت على قدر الثقة التي منحتموها لي في الوقت الذي قضيتموه في قراءة هذه السطور.


alrawie @