في لقائه الأخير مع قناة «العربية» تطرق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى رغبته في حماية الولايات المتحدة من الأعداء، ونشر الحرية في منطقة الشرق الأوسط، ثم تحدث عن الجانب العراقي وقال: «ان الحرب في العراق هي القرار الأكثر قسوة الذي اتخذته»، مضيفا بأنه ليس نادما أو متأسفا على اتخاذ هذا القرار. وقال: «في الواقع اعتقد حاليا انه كان القرار الجديد»! ولكن كما نرى فإن الواقع الذي يراه الرئيس بوش هو عكس الواقع الذي نجده عند غالبية الاميركيين الذين يتهمون رئيسهم بأنه يعطي صورة مغايرة للوضع المأسوي في العراق في أكثر من مناسبة، واتهم كذلك الحزب الديموقراطي الرئيس بوش بأنه يرسم «صورة وردية» للوضع المتأزم في العراق، وكثيرا ما يضلل الشعب الأميركي عن طريق ربطه بين الحرب في البلد المضطرب وبين هجمات 11 سبتمبر 2001، في حين تتزايد قوة أسامة بن لادن و«القاعدة» في المنطقة، والبيت الأبيض يقوم بتحريف واقع ما يحدث في العراق من آلام ومآس، خصوصا في ما يحدث للجنود الاميركيين هناك، ويذكر ان هناك مصورة صحافية أميركية تدعى نينا بيرمان أثارت الرأي العام الأميركي حين التقاطها صوراً لجنود اميركيين مصابين في العراق اصابات بليغة بمناسبة عيد الاجتياح الاميركي، لتكون هذه الصور الفوتوغرافية أكثر دقة للاصابات نتيجة عدم وجود تغطية اعلامية شاملة للحرب في العراق، فالصحف الأميركية عادة تتحدث عن الجرحى والمصابين، ولكن من دون ان تنشر صوراً حقيقية عن ذلك؟ وربما يرجع ذلك الى صعوبة التأقلم مع فكرة قبول الحرب عند إلقاء نظرة في الاضرار التي تلحقها بالبشر، فهناك الكثيرون من الجنود فقدوا صحتهم ونشاطهم بسبب تلك الحروب الضارة، وقتل فيها أيضا نحو 3800 جندي أميركي، واصيب نحو 27500 بجروح خطيرة خلال اربعة أعوام فقط! فكيف تكون الحال إذاً بعد اعوام مقبلة.إن ما تحمله الصحافية بيرمان من صور حقيقية للجنود الجرحى قد تلعب دوراً رئيسيا في الحملات المقبلة المناهضة للحرب، فكلنا يعلم حقيقة ما حصل للسير جنت تي زيغل عندما اصيب في عملية انتحارية في العراق اصابة بليغة، وقد تسببت نيرانها في ندبات بشرة وجهه وجعلت الحروق منه رجلا من دون أنف ومن دون شعر ومن دون اذنين. أما جمجمته فأصبحت بلاستيكية وتم زرع أحد أصابع رجليه محل ابهام يده اليمنى والذراع الاخرى منه فقد بترت من المرفق، ثم فقد زيغل أيضا احدى عينيه، وكذلك الحال للجندي الاميركي سام روس الذي فقد بصره وساقه في الوقت نفسه، من قوة الانفجار، والسيرجنت مارلين جيرمان الذي اصيب بحروق في 97 في المئة من جسمه بسبب الانفجار، ثم العريف روي فانواي الذي اصيب بحروق كبيرة في مختلف أنحاء جسمه خلال انفجار مركبته في العراق، وايضا الجندي راندال كلانن الذي تشوه وجهه من القنابل في العراق، ولويس كالديرون الذي اصيب بالشلل وغيرهم كثيرون.تفيد صحيفة «The Nation» عند اجرائها تحقيق مفصل في هذا الشأن ان العديد من المقاتلين السابقين عادوا إلى الولايات المتحدة ووضعهم مضطرب ومضطهد بسبب الفرق الشاسع بين لواقع الحرب على الأرض والطريقة التي تتحدث عنها الادارة الأميركية ووسائل إعلامها، لذلك علينا ان نفكر ونفسر كتحليل للوضع العسكري لماذا تزداد حالات الانتحار في صفوف سلاح البر الأميركي؟ وأعلن سلاح البر الأميركي ان ما لا يقل عن 99 من جنوده قد انتحروا عام 2006، وهذا يمثل تقريبا الثلث حينما كانوا في معارك في العراق وأفغانستان، وهي النسبة التي أصبحت تتزايد عن الاعوام السابقة، ناهيك عن وجود 948 حالة «محاولة انتحار» في صفوف سلاح البر، اما في النصف الاول من العام 2007 فسجل الجيش الأميركي نحو 44 حالة «انتحار»، وأكد الجيش الاميركي ذلك في تقريره ان السبب الرئيسي يرجع الى توكيلهم «للمهمات العسكرية الخارجية» ما يدفعهم إلى وجود مشكلات اسرية وتفاقم المشاكل الزوجية، ثم القبول الى «الانتحار»!وهناك ضابط أميركي سابق ويدعى براندون فريدمان شارك في حربي أفغانستان والعراق سبق له ان اتهم الرئيس جورج بوش على سوء ادارته للجيش والقيام باذلاله، داعيا الادارة الاميركية ان تبحث عن الحل السياسي لا الخيار العسكري!ثم أوضح أن الرئيس الأميركي اعتاد ان يبقي القوات الأميركية المرهقة وسط حرب أهلية لا تزال مشتعلة! وهناك انتقاد آخر للوضع العسكري في العراق من الجنرال المتقاعد ريكاردو سانشيز وهو أكبر مسؤول سابق في «البنتاغون» وقائد كتيبة عملية عاصفة الصحراء المعروفة سابقا، وقائد القوات الأميركية في العراق عام 2006، إذ وصف استراتيجية الرئيس جورج بوش القائمة على ابقاء أكثر من 160 ألف عنصر في العراق، حتى نهاية العام مع وجود ملايين الاطنان من العتاد العسكري على أمل القضاء على العنف الطائفي وارساء الاستقرار السياسي، بانه غير فاعل، وان التعديلات التي جرت على هذه الخطة بسحب نحو 21500 جندي بحلول يوليو لن تأتي أيضا بنتيجة مرضية، مضيفا ان التغييرات المستمرة على الاستراتيجية سواء كانت سياسية أو عسكرية فلن تقودنا الى النصر! وان من أفضل ما يمكن عمله حاليا هو تجنب الهزيمة!... لذلك حان الوقت لانسحاب الولايات المتحدة من العراق من دون أي تأخير أكثر مما يحتاجه البنتاغون وعلى غرار رغبة غالبية الشعب الأميركي، فالكارثة التي صنعها الرئيس بوش عبر دخوله واحتلاله للعراق من دون سبب مقنع وكاف تحتم عليه بأن يعمل جاهدا لاخراج الولايات المتحدة من تورط أميركي داخل العراق، والعراق لا يزال تحت خطة أميركية غير واضحة واستراتيجية أميركا في مواجهة معارضة عالمية لن تستطيع من خلالها تحقيق أي نوع من الاستقرار الامني في العراق ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروزكاتب كويتيalfairouz61_alrai@yahoo.com